من الواضح أن الرد الإيراني الأخير على المقترحات الأميركية أعاد المفاوضات إلى نقطة شديدة الحساسية، لأن المشكلة هنا لم تعد مرتبطة فقط بتفاصيل تقنية حول نسب التخصيب أو آليات الرقابة أو الجدول الزمني لرفع العقوبات، بل باتت مرتبطة بجوهر الصراع نفسه، أي شكل إيران الذي تريده واشنطن، وأي شكل المنطقة الذي تريده طهران.
الإيراني عملياً يرفض ان تتحول المفاوضات الى عملية تفكيك تدريجي لعناصر القوة تحت عنوان الاتفاق النووي، بينما الأميركي يحاول استخدام حاجة إيران الاقتصادية والضغوط الداخلية لفرض اتفاق يتجاوز الملف النووي نحو ملفات النفوذ الإقليمي والصواريخ والعلاقة مع قوى المقاومة، وهنا تحديداً تكمن العقدة الأساسية التي تجعل التفاهم أكثر صعوبة اليوم مقارنة بالمراحل السابقة.
المشكلة أن المناخ الدولي والإقليمي الحالي لا يشبه أبداً مرحلة اتفاق 2015. يومها كانت المنطقة أقل اشتعالاً، وكانت واشنطن لا تزال تملك هامشاً واسعاً لإدارة التسويات، أما اليوم فالصورة مختلفة بالكامل. الحرب في غزة، وبعدها لبنان، والاشتباك المفتوح في البحر الأحمر، الاستنزاف الأميركي في المنطقة، التوتر مع الصين وروسيا، كلها عوامل تجعل أي تفاوض مع إيران جزءاً من معركة أكبر بكثير من مجرد برنامج نووي.
لهذا السبب تحديداً، فإن تعثر المفاوضات يرفع بشكل كبير احتمالات الانتقال إلى مرحلة الضغط العسكري، أي العودة إلى الضربات الواسعة او المحدودة، أو العمليات الأمنية المركبة، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات تحت النار.
لكن السؤال الأهم هنا هو هل تملك واشنطن فعلاً القدرة والرغبة بخوض مواجهة واسعة مع إيران؟ يبدو ان الأميركي لا يريد حرباً شاملة بالمعنى التقليدي، لأنه يعرف أن أي حرب مفتوحة مع إيران لن تكون شبيهة بأي تجربة سابقة في المنطقة. إيران ليست العراق عام 2003، ولا ليبيا، ولا حتى دولة يمكن عزلها بسهولة، فنحن نتحدث عن دولة تمتلك بنية صاروخية ضخمة، وانتشاراً إقليمياً واسعاً، وقدرة على تهديد الملاحة والطاقة والقواعد الأميركية في أكثر من مكان دفعة واحدة.
وبالتالي أي ضربة أميركية جديدة واسعة على إيران تعني تلقائياً فتح المنطقة كلها على احتمال الانفجار، من الخليج إلى العراق، وصولاً إلى البحر الأحمر ولبنان أيضاً. وهنا تكمن المعضلة الأميركية الأساسية، لأن واشنطن تريد الضغط على إيران من دون الانزلاق إلى حرب قد تفقد السيطرة على نتائجها.
لهذا تبدو السيناريوهات الأقرب حالياً مرتبطة بضربات او ايام قتالية أكثر من حرب شاملة، من خلال استهداف منشآت معينة، أو تنفيذ عمليات أمنية واستخبارية، أو ضرب مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي او الطاقة أو البنية العسكرية، ضمن محاولة خلق صدمة سياسية ونفسية تدفع طهران للعودة إلى التفاوض بشروط أكثر ليونة.
لكن حتى هذا النوع من الضربات يحمل خطورة هائلة، لأن إيران اليوم ليست في موقع يسمح لها بامتصاص الضربات بصمت، فالبيئة الداخلية الإيرانية نفسها، بعد الحرب وكل سنوات العقوبات والاغتيالات والضغوط، باتت تدفع أكثر نحو الرد، خصوصاً أن أي تراجع إيراني واضح أمام ضربة أميركية أو إسرائيلية سيُقرأ داخلياً وإقليمياً كإشارة ضعف استراتيجية.
أما إسرائيل، فهي تبدو الطرف الأكثر دفعاً باتجاه التصعيد، لأنها تعتبر أن أي اتفاق لا يؤدي عملياً إلى تقليص جذري لقدرات إيران الاستراتيجية هو اتفاق خطر عليها. لذلك تحاول تل أبيب دائماً دفع واشنطن نحو خيار القوة.
لذلك يمكن القول إن المرحلة المقبلة ستقوم على توازن شديد الخطورة بين مسارين متوازيين، تصعيد مرتفع جداً في الخطاب والضغوط والتهديدات واحتمال كبير لعمل عسكري، مقابل محاولات إبقاء الباب مفتوحاً أمام تفاوض اللحظة الأخيرة.
























































