تُعدّ العقلنة مفهوماً مركزياً في الفكر الإنساني، ومنهجية تقوم على إعمال العقل في فهم الواقع واتخاذ القرار المناسب، بعيداً عن الانفعال أو الاندفاع غير المحسوب، وقد شكّلت العقلانية كمدرسة فكرية رواجاً واسعاً وناجحاً عبر التاريخ، برز فيها فلاسفة مثل أرسطو الذي ربط الفضيلة بالاعتدال، وابن رشد الذي دافع عن انسجام العقل مع الدين، ورينيه ديكارت الذي جعل الشك المنهجي مدخلاً لليقين، هذه المدرسة لا تنفي الإيمان بل تنظّمه، ولا تلغي العاطفة بل تضبطها ضمن حدود المصلحة والمعرفة.
واذا انتقلنا الى السياق الإسلامي، نجد أن العقلنة ليست فكرة دخيلة، بل هي جزء من صلب التجربة الدينية، فقد عُرف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحكمته في إدارة الصراع، حيث لم يكن القتال هدفاً في حد ذاته ولا الوسيلة الوحيدة، بل إحدى الوسائل المشروعة التي تُستخدم عند الضرورة وتُضبط بشروط المصلحة العامة، فصلح الحديبية مثال بارز على تقديم العقلانية السياسية على الاندفاع، رغم اعتراض بعض الصحابة آنذاك، كما جسّد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام نموذجاً في تقديم المصلحة العامة وتجنب إراقة الدماء غير مرة، حتى حين كان قادراً على الحسم بالقوة، وكذلك عبّر الامام الحسن عليه السلام عن قمة العقلانية عندما قبل بالتسوية لصالح الإسلام، فيما قدّم الامام الحسين عليه السلام نموذجاً متمماً للفكرة وذلك عبر المواجهة لكن حين انعدمت الخيارات، ما يؤكد أن المنهج يحمل خيارات متعددة لا خياراً واحداً جامداً، بل يتبدل وفق الظروف والمصلحة العامة للدين والبلاد.
من هنا، يصبح واضحاً أن العقلانية لا تتناقض مع الدين بل هي أداته في تنزيل المبادئ على الواقع، وهي كذلك لا تتناقض مع المقاومة بل تمنحها الشرعية والاستمرارية؛ فالمقاومة التي تُدار بعقل تكون قادرة على التمييز بين الغاية التي يجب بلوغها والوسيلة التي ينبغي اتباعها.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن الدبلوماسية والكفاح المسلح ليسا نقيضين بل أداتان متكاملتان في إدارة الصراع. فالتجارب العالمية تُظهر أن الحركات التي نجحت في تحقيق أهدافها هي تلك التي أحسنت توظيف القوة العسكرية ضمن مسار سياسي تفاوضي قبل أن يُقضى عليها، لأن القتال الذي يصنع الوقائع يمنح الدبلوماسية مادةً لتثبيت تلك الوقائع وتحويلها إلى مكاسب مستدامة. ومن دون مسار سياسي يتحول القتال إلى استنزاف مفتوح، كما أنه من دون قدرة ردع تغدو الدبلوماسية فارغة من القوة.
غير ان المشكلة التي برزت في البيئة الشيعية خلال السنوات الماضية، تتمثل في تراجع الكلمة الواعية لصالح الخطاب التعبوي الصاخب، خصوصاً في مناسبات مثل عاشوراء، فخلال العقد الماضي غلب الطابع العزائي لكن المؤدلج الذي يركّز على السلاح والقتال، ذلك على حساب البعد الفكري والأخلاقي والاصلاحي الذي حملته هذه المناسبة تاريخياً، فموقف الإمام الحسين عليه السلام جاء نتيجة انتفاضة أخلاقية في مواجهة الانحدار الذي اعترى الدين الإسلامي، فطالب بالإصلاح ولم يطالب بالقتال المفتوح، وما مارسه عملياً في المعركة أثبت أنه عليه السلام صاحب تعاليم إنسانية بالدرجة الأولى فطلب من خصومه وأصحابه أن يكونوا احرارا في قراراتهم، لكن ما جرى من شحنات عاشورائية في السنوات الماضية أحدثت تحولاً بالمفهوم العاشورائي عند البيئة الشيعية أفضى إلى تشكيل وعي جمعي مشحون يُقدّس المواجهة بوصفها الخيار الوحيد حتى الموت.
إن تغييب الخطاب العقلاني في عاشوراء أدى إلى تضييق هامش التفكير داخل المجتمع، بحيث أصبح من الصعب تقبّل أي طرح لا يندرج ضمن منطق الحرب حتى الموت، وهذا يتناقض مع جوهر تجربة الإمام الحسين نفسه، الذي لم يكن مشروعه مشروع فناء جماعي، بل مشروع إصلاح ووعي فردي وجماعي، وتحويل هذه التجربة إلى مجرد دعوة دائمة للقتال هو اختزال مُخلّ بل تشويه صريح لرسالتها.
فالتعبئة العقائدية المشحونة عبر الوساطة الدينية عندما تكون مغلقة على ذاتها ولا تقبل المراجعة تتحول من عنصر قوة الى عنصر ضعف، فهي تُرسّخ تقديساً غير عقلاني للخيارات العسكرية، وتمنع التفكير في بدائل أخرى، حتى لو كانت هذه البدائل تحقق الهدف ذاته بكلفة أقل، وينعكس ذلك على الجمهور في تصاعد ظاهرة التخوين واتهامات العمالة حتى لمن خدم النازحين في أحلك الظروف، سواء على الشارع أو عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ وهذا انعكاس واقعي لشحنات اندفاعية متراكمة وأحادية التفكير، كما أن هذا الخطاب قد يعزل المقاومة عن بيئتها الحاضنة إذا أدرك الناس تآكل مفعوله، وشعروا في الوقت ذاته بأن حياتهم وأرزاقهم وحدها توضع في مهب قرارات لا تراعي الواقع.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى القتال الجمعي حتى آخر فرد لا تعبّر عن قوة بل عن خلل في تقدير الواقع؛ إذ تضع المجتمع في مواجهة مفتوحة ليس لها أفق واضح سوى الفناء، دون حساب للكلفة البشرية والعمرانية. كما أنها تفتح الباب أمام توظيف خارجي للمقاومة لكسب رهانات سياسية عبر المندفعين على الأرض، حيث يمكن توجيه هذا الاندفاع لخدمة مصالح لا ترتبط بالمصلحة الوطنية.
العقلانية هنا تعني البحث عن أفضل الخيارات المتاحة لا عن الخيارات الأيديولوجية غير الممكنة، وتعني أيضاً الاعتراف بأن استمرار الصراع المفتوح بلا أفق سياسي قد يفضي إلى استنزاف طويل يدفع ثمنه المجتمع قبل أي طرف آخر.
هنا تبرز الحاجة إلى التأكيد أن المقاومة وسيلة لحماية لبنان لا غاية في حد ذاتها، وهذا يفرض عليها إظهار استعداد للحلول الدبلوماسية، وتأكيد أن قتالها مرتبط بالدفاع عن الجنوب وأهله ولبنان الكيان، لا بالانخراط في صراعات مفتوحة خدمةً لأجندات عقائدية. فالعقلانية تعني الحفاظ على القدرة الدفاعية مع الانفتاح على تسويات تحمي المجتمع.
وفي هذا الإطار، يُطرح موضوع التسوية على سلاح المقاومة بوصفه جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل الجنوب، لماذا؟ لأنه مع تصاعد احتمالات التدمير الشامل، والذي نراه بات في منتصف الطريق، ومع إمكانية أن تتحول القرى حتى نهر الليطاني إلى أرض محروقة ومحروثة كلياً، يصبح من الضروري التفكير في خيارات تُقلّص هذه المخاطر، فتسوية هذا السلاح ضمن رؤية وطنية يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية إنقاذ للجنوبيين ولبنان كله، تُوازن بين الردع والحماية وبين الكرامة والبقاء.
إن العقلنة والواقعية ليستا ترفاً فكرياً بل شرطاً لبقاء المجتمعات؛ فالدين الذي يدعو إلى الحكمة لا يمكن أن يُبارك قرارات تؤدي إلى هلاك جماعي بلا جدوى، والمقاومة التي تريد الاستمرار لا يمكنها أن تنفصل عن مجتمعها أو تُغامر بمصيره ومصير كيانه الوطني. والمقاومة والدين والوطن يلتقون عند نقطة واحدة: حماية الإنسان والأرض، فالإنسان بلا أرضه يصبح دُمية، والأرض بلا إنسانها تصبح صحراء. فمن دون هذا الوعي قد تتحول أعلى الشعارات فتكاً بالعدو إلى أخطر التهديدات فتكاً بأصحابها إذا ما غُيِّبت العقلانية.























































