في مُطلق أي حرب تُحاول الجهات المُنخرطة فيها تعظيم المكاسب وإخفاء الخسائر. لكن بعض الحقائق والوقائع واضحة وُضوح الشمس ولا يُمكن طمسها، لأغراض مرتبطة برفع المعنويات وعدم انكسار الهِمَم. وفي حرب لبنان الأخيرة، وبغضّ النظر عن جدليّات الانتصار والهزيمة بين "حزب الله" وُخصومه، تُوجِد فئات مُنِيَت بخسارة جسيمة، فمن هي؟
أوّلًا: كل من فقد حياته من المدنيّين مِمّن لا علاقة له بهذه الحرب. فإذا كان المُقاتلون مُستعدّين لتقديم حياتهم للقضية التي يؤمنون بها، ويُؤمنون بعقائد وسرديّات دينيّة تُقلّل من وطأة الموت، فإنّ مئات المدنيّين الذين سقطوا كضحايا جانبية للحرب، يُمثّلون الفئة الأكثر خسارة على الإطلاق، حيث أنّ عائلاتهم ستعيش واقع الفراق والحنين إلى ذكراهم طوال حياتها.
ثانيًا: كل من أصيب من المدنيّين، والعدد بالآلاف، مِمَّن لا علاقة له بهذه الحرب، بعاهة دائمة أو بجروح تستوجب علاجًا مُزمنًا وتكرارًا للعمليات الجراحية، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من ألم ومعاناة ومشّقات، ومن تكاليف مادية، ومن تأثير على الحياة الطبيعية، وربما من احتمالات فقدان وظيفة، إلخ.
ثالثًا: كل شخص فقد منزله حيث صار يعيش مُوَقَّتًا في مكان آخر، ربّما في مقابل بدل إيجار أو لدى قريب أو صديق، أو حتى في مأوى ظرفي وفّرته السُلطات المعنيّة في الدولة. إشارة إلى أنّ الإحصاءات غير نهائية بالنسبة إلى عدد المساكن المُهدّمة، بسبب استمرار عمليّات التدمير الممنهج في المنطقة الحدودية وبفعل عدم إنتهاء الحرب أصلًا. لكنّ الأكيد أنّ عشرات آلاف الوحدات السكنية تدمّرت كليًا أو تضرّرت جزئيًا، ولم تعد صالحة للسكن. ولمن يتحدّث عن وُعود الإعمار البرّاقة، من الضروري التذكير أنّ ردميّات الكثير من المباني والمنازل التي كانت قد تهدّمت في بداية ما عُرف باسم "حرب إسناد غزّة" اعتبارًا من خريف العام 2023، ما زالت في مكانها! وفي ظلّ واقع إفلاس الدولة، والضغط السياسي على لبنان الذي يحول دون تدفّق أي مُساعدات مالية كبرى، بالكاد سيتمّ توفير بدلات إيواء لشهر أو بضعة أشهر لمن فقدوا منازلهم، ولا إعمار ولا من يحزنون في المستقبل القريب. وبعد استهداف آلاف الصواريخ والمُحلّقات الإيرانية كلًا من السعودية والإمارات وقطر والبحرين وغيرهم، من ينتظر مُساعدات مالية من دول الخليج على غرار تلك التي تأمّنت بعد حرب العام 2006 هو واهم! وفي ظلّ الدمار الهائل في إيران، من ينتظر أن تُموّل طهران عمليّة إعادة الإعمار هو واهم أكثر!
رابعًا: كل أبناء وسُكان القرى والبلدات الحدودية، حيث باتت رقعة تبلغ نحو 5% من مساحة لبنان الإجمالية واقعة بشكل مباشر أو بالنار تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا أمل للعودة إلى هذه المناطق في القريب العاجل، بغضّ النظر عن الوعود الطنّانة في هذا المجال. ومع سياسة التدمير المُمنهج التي يعتمدها الاحتلال، حتى العودة في المستقبل أمامها تحدّيات هائلة، حيث أنّ إستعادة أسس الحياة في هذه المناطق تحتاج إلى سنوات طويلة، حتى لو سلّمنا جدلًا أنّ الانسحاب قد تمّ، وأنّ الأموال قد تأمّنت! والسبب أنّ كل ما يرمز إلى الحياة قد تدمّر، والردميّات صارت متداخلة، بحيث أنّ العودة المَأمولة تقضي بداية برفعها، وباللجوء إلى خدمات المَسّاحين لإعادة رسم خرائط الأملاك العامة والخاصة، وبإعادة تحديد مسارات الطرقات وتعبيدها، وبإعادة مدّ أنابيب المياه وكابلات الكهرباء والإنترنت، وبإعادة بناء المباني والمنازل! فعن أي حلم عودة نحن نتحدّث، وعن أي تاريخ؟! وبكل صراحة وواقعية إنّ أبناء القرى الحدودية هم الفئة الأكثر خسارة على المستوى المادي، لأنّ عودتهم صعبة جدًا، حيث صارت هذه المنطقة ضمن معضلة سياسية أمنية متشابكة غير قابلة للتسوية بسهولة.
خامسًا: كل من فقد متجره أو باب رزقه بغضّ النظر عن طبيعة وظيفته أو عن مكان عمله في لبنان. فإذا كانت خسارة من طال الدمار عمله بشكل مباشر هي أكبر، إلا أنّ الخسائر طالت أشخاصًا يسكنون بعيدًا جدًا عن المناطق المُستهدفة، حيث تأثّرت العديد من الوظائف والمهن، إن بشكل مباشر أو غير مُباشر، وانخفض دخل البعض جزئيًا وقُطع دخل البعض الآخر كليًا، في الوقت الذي طالت موجة غلاء وتضخّم كلّ السلع والخدمات.
انطلاقًا مِن الوقائع والحقائق الثابتة المَذكورة أعلاه، يُمكن وصف كل سرديّات الانتصارات، وكل عنتريّات بعض الأشخاص الذين لا يُصنّفون بأي من الفئات الخمس أعلاه أمام الكاميرات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، بأنّها بلا معنى أو قيمة! فأمام هول الكوارث التي طالت شرائح واسعة من اللبنانيّين، في أرواحهم وأجسادهم وممتلكاتهم وأرزاقهم، الأكيد أنّ الخسائر جسيمة ومهولة، وبعضها للأسف غير قابل للتعويض أبدًا، وما هو قابل لذلك من ضمن الخسائر الإجمالية للحرب خاضع لشروط ولمعايير غير متاحة حاليًا أو أقلّه لم تنضج بعد، ويستوجب أموالًا طائلة لانطلاق مسار المُعالجة، علمًا أنّه لا يُوجد بعد أيّ بصيص أمل لإمكان توفّر هذه الأموال في المستقبل القريب.
في الختام، وفي الوقت الذي صارت فيه دول العالم المُتحضّر تُركّز على كيفية توفير أقصى درجات الرفاهية والسعادة لشعوبها، وفي الوقت الذي صارت فيه دول العالم الثالث أفضل من لبنان، من حيث طبيعة الطرقات والبنى التحتيّة والخدمات وتوفّر الأساسيّات الضرورية للحياة، ما زلنا كلبنانيّين نعيش مخاوف القتل والدمار والحروب وفقدان الأرزاق والأشغال، في ظلّ بلد يفتقر إلى أدنى مقوّمات البنى التحتيّة والخدمات حتى عند مقارنته بأفقر دول العالم. والأخطر أنّ هناك من يُصرّ على مُواصلة نهج الحروب لأنه يرتبط بمشروع إقليمي ويُؤمن بعقيدة قتالية تجعله يظنّ بأنّه على حقّ!























































