جال البطريرك الماروني الكاردينال ​مار بشارة بطرس الراعي​ في ​بصاليم​، حيث ترأس قداسا احتفاليا في باحة كنيسة سيدة النجاة في بصاليم لمناسبة ​عيد سيدة الزروع​.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس ألقى الراعي عظة بعنوان: "إن أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها"(لو 8: 21)، وقال: "​لبنان​ يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أناس يسمعون كلمة الحق ويعملون بها، لا إلى شعارات تُقال ثم تضيع وسط الانقسامات. فثقافة الكلمة هي ثقافتنا المسيحية. نحن جماعة الشهادة، وجماعة الحقيقة، وجماعة المسؤولية. دورنا لا يقتصر على الصلاة داخل الكنائس، بل أن نكون شهودًا لكلمة الله في مجتمعنا ووطننا وحياتنا العامة. حين يسمع الإنسان كلمة الله بصدق، يستنير ضميره. وحين يعمل بها، يتغير المجتمع".

واضاف "حين تتحول الكلمة إلى التزام ومسؤولية، يبدأ الوطن بالنهوض من جديد. نحن شركاء في هذا الوطن، ومسؤولون عنه، وعن مستقبله. فالوطن لا يُبنى بالكلام فقط، بل بالضمير، وبالعمل، وبالقدرة على تحويل المبادئ إلى ممارسة يومية. لكن ما نعيشه اليوم مؤلم ومتعب. فما زال لبنان يتعرض للاعتداءات والانتهاكات اليومية، وما زال الناس يعيشون في حالة غموض وقلق وانتظار. الأحداث تتكرر، والخوف يتسلل إلى النفوس، والناس تسأل بقلق: إلى أين نحن ذاهبون؟".

وذكر الراعي أن "في الداخل أيضًا، نعيش حالة تعب وانقسام وفقدان ثقة، لأن الحقيقة تضيع وسط المصالح والتجاذبات، فيما الإنسان اللبناني يريد فقط أن يعيش بكرامة وسلام وطمأنينة. ومن هنا، تصبح كلمة الله دعوة وطنية أيضًا. دعوة إلى الصدق، إلى المصالحة، إلى احترام الإنسان، وإلى بناء وطن يقوم على الحقيقة لا على الخوف. نحن أبناء كلمة الله، أبناء الشهادة، أبناء السلام، لا الحرب. السلام لا يُبنى بالشعارات، بل بالضمير الحي، بالقدرة على اللقاء، بالإيمان بأن الإنسان أخ للإنسان، وأن الوطن لا يمكن أن يبقى إذا غابت عنه الحقيقة والمحبة والمسؤولية. وبقدر ما نسمع كلمة الله ونعيشها، بقدر ذلك نستطيع أن نبني وطنًا يبقى. فالأوطان لا يحفظها السلاح، بل تحفظها الضمائر الحية، والقيم، والإيمان، والإنسان الذي يعرف أن له دورًا ورسالة وشهادة. ولهذا، رغم كل ما نعيشه من قلق وانتظار وغموض، يبقى إيماننا أنّ كلمة الله قادرة أن تفتح طريق الرجاء، وأن تعيد بناء الإنسان، وأن تعطي وطننا قوة جديدة للنهوض والثبات والبقاء".

وكان الراعي بدأ زيارة راعوية إلى منطقة بصاليم ومزهر والمجذوب، استهلها بمحطة أولى في مستشفى الشرق الأوسط حيث كان في استقباله المدير العام لمجلس إدارة المستشفى ​وليد سلمون​ والهيئة الإدارية والطاقم الطبي والتمريضي.

وبعد قطع قالب الحلوى، أعطى الراعي البركة قبل البدء بمناولة المرضى، وقال: "أنا سعيد بزيارة هذا الصرح الطبي العريق، ولا أحد يعرف قيمة المستشفيات وصعوبة خدماتها سوى المريض، وأنتم لكل مريض سترة النجاة وقوة الاستمرار".

وأضاف: "هذا العمل هو رسالة وإيمان وتضحية لصون كرامة الإنسان. ليبارك الرب جهودكم، ونحن نفتخر معكم بالقطاع الطبي الذي تتغنى به كل دول العالم".

كما كان للبطريرك الراعي لقاء محبة في ​كاتدرائية القديس جاورجيوس​ للروم الأرثوذكس مع راعي أبرشية جبل لبنان للروم الأرثوذكس المتروبوليت سلوان موسى.

واستُقبل الراعي بالترحيب أمام الكاتدرائية، وعلى وقع الترانيم القيامية البيزنطية دخل الكنيسة حيث كانت محطة صلاة وتكريم وتقديم هدايا تذكارية ولوحة وجه المسيح المحفورة مع سلسلة من كتب ​المطران جورج خضر​.

وألقى المطران سلوان كلمة أخوية قال فيها: "أرحب بكم يا صاحب الغبطة وقلبي مع أبناء هذه الرعية ينبض فرحا لقدومكم، ومن هذا الفرح الواثق أقدم لكم هذه الهدايا التذكارية المعبرة عربون وحدتنا بالصلاة وقوتنا معًا لأجل سلام هذا الوطن وشعبه".

وردّ الراعي بكلمة فقال: "شكرًا سيدنا على قلبكم الكبير والهدايا وكتب حبيبنا المطران خضر والاستقبال المملوء بالمحبة والفرح مع ترانيم القيامة البيزنطية البهية".

وأضاف: "لا يمكن أن ندخل إلى بصاليم بدون زيارة إخوتنا الأرثوذكس، فهذه زيارة عزيزة على قلوبنا. وشكرًا للرب الذي اختاركم لأبرشية جبل لبنان راعيًا خلفًا لسيادة المطران جورج خضر، ونحن نعرفكم من أميركا اللاتينية ونعلم ما سوف تحملون لهذه الأبرشية من غنى. وفي هذه الكنيسة التقينا سابقًا في صلاتنا لأجل وحدتنا، واليوم نجدد هذه الوحدة في زمن القيامة والصعود".

وفي الختام، قدم خادم الرعية الأب يوحنا عازار مع مجلس الرعية هدية للبطريرك الراعي، كناية عن أيقونة المسيح المعلم.

هذا، وافتتح الراعي جمعية "​شباب الرجاء​" Youth of Hope ومستوصف المونسنيور توفيق بو هدير الطبيّ في مركز جمعيّة الوحدة الخيريّة، في إطار زيارته الراعويّة إلى منطقة بصاليم، في حضور وزير الإعلام ​بول مرقص​.

وكانت كلمة للوزير مرقص قال فيها: "أكثرُ ما نحتاجُ إليه اليوم في مواجهةِ خِطابِ الكراهيةِ ولغةِ العُنف وجولاتِ الحربِ هو كلمةُ رجاءٍ وفعلُ محبة، وهذا ما نعمَلُ عليه في ​وزارة الإعلام​".

وذكر أنه "اذا كان لبنانُ يعيشُ حربا مدمِرة، فإنّنا نسعى ما استطعنا إلى تجنيبِه حروبا من نوعٍ آخر، غالبا ما يكونُ أولُها كلاما. لن أطيلَ عليكم في هذه المساحةِ الممتلئةِ محبةً وسلاما، ولن أفسِدَ هَدْأةَ المناسبة بالحديثِ عن التحريض والحروب والكراهية، بل سأكتفي بالتوجُهِ إلى غبطة البطريرك سائلا إياه أن يذكُر الإعلامَ ووسائلَ التواصل بصَلاتِه اليومية، كي لا تَقوى عليها لغةُ العنف، ومعاني الكراهية، وكي يغلُبَ التأمّلُ على التسرُعِ في النشر، والحريةُ المسؤولةُ على الإساءةِ المجانيةِ إلى الآخرين وكراماتِهم وحقوقِهم وحرياتِهم".

وختم:"قُلْ ما تشاء، ولكنْ باحترام. مارسْ حقوقَك واحفظْ للآخرين حقوقَهم. فلتكُن الكلمة سواء لا رصاصاً. ولعلّ المقاربةَ الفُضلى لذلكَ كلِه تنطلقُ من دعوةِ الرسالةِ الأخيرةِ لقداسة البابا الراحل فرنسيس إلى "نزعِ سلاحِ الإعلامِ وتطهيرِ التواصلِ من كلِ روحٍ عُدوانية". فإذا كان التواصلُ سلاحا، وهو كذلك، فالأجدى أن نستخدمَه لمحاربةِ المواقفِ العدوانيةِ ولصدِّ خِطاب الكراهية، عِوَضَ إشعالِ المعاركِ وتغذيةِ الحروبِ الكلامية وإساءةِ استخدام الحرية، فنجنحُ بذلك إلى الكلامِ الهدّام بدلَ التبشيرِ بالأمل والحضِّ على الرجاء والعمل للسلام".

في الختام قال البطريرك الراعي:"ما مشروع اليوم سوى نقطة في بحر المشاريع التي سوف يستكملها أبونا توفيق من سمائه عبر محبيه على الأرض".

وختم:" أبارك لكم هذا المستوصف والمشروع وأؤكد لكم أن أمواتنا لا يموتون بالرب ومن يفرح قلوب الناس على الأرض، يُفرح الرب قلبه في سمائه ويجعل مقامه مع الأبرار والقديسين".