لم تمنع الحروب الإسرائيلية في المنطقة، بدءًا من غزة مرورًا بلبنان وصولًا إلى إيران، وما بينهما من تصعيد في الضفة الغربية، حركة "فتح" من عقد مؤتمرها العام الثامن في مقر السلطة الفلسطينية في رام الله، بالتوازي مع ثلاث ساحات أخرى هي: غزة، ومصر، ولبنان، حيث انتُخبت قيادتها الجديدة في اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

وأكد مسؤول فتحاوي لـ"النشرة"، أن عقد المؤتمر يشكل باكورة إجراء الاستحقاقات الانتخابية الفلسطينية القادمة، بدءًا من المجلس الوطني الفلسطيني نهاية العام، وصولًا إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية حين تتوفر الظروف السياسية والأمنية المناسبة، فضلًا عن إنهاء الانقسام وضمان مشاركة الكل الفلسطيني فيهما.

واكتسب المؤتمر أهمية خاصة كونه انعقد بعد عشر سنوات على انعقاد المؤتمر السابع عام 2016 في الضفة الغربية، وللمرّة الأولى في أربع ساحات متزامنة: الضفة الغربية، وغزة، ومصر، ولبنان، في رسالة تؤكد قدرة الحركة على تجاوز الحصار والقيود التي حاول الاحتلال الإسرائيلي فرضها على الجغرافيا الفلسطينية.

سياسيًا، جاء المؤتمر في مرحلة سياسية ووطنية دقيقة، تتسم بتسارع التحولات الإقليمية والدولية، وتنامي التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي ومحاولاته فرض وقائع جديدة على الأرض، إلى جانب تعقيدات المشهد الداخلي الفلسطيني وما شهده من انقسامات أثّرت على وحدة القرار الوطني.

تنظيميًا، حمل المؤتمر أبعادًا كثيرة بعدما أفضى إلى انتخاب 18 عضوًا للجنة المركزية، وهي أعلى هيئة قيادية في الحركة، بعدما تنافس عليها 59 مرشحًا، إضافة إلى 80 عضوًا للمجلس الثوري بعدما تنافس عليها 450 مرشحًا، فيما بلغ عدد المشاركين 2649 اقترع منهم 2507، بينما انتُخب الرئيس ​محمود عباس​ رئيسًا للحركة بالإجماع.

كما حمل المؤتمر أهمية استثنائية تتجاوز البعد التنظيمي، في ظل اصطفافات داخلية تعكس تباينًا في الرؤى حول مستقبل الحركة. فبينما دعا فريق إلى الحفاظ على الإرث الوطني والتجربة التاريخية لحركة "فتح" مع ضخ دماء جديدة في بنيتها القيادية، دفع فريق آخر نحو إحداث تغيير أوسع في آليات الاختيار، بعيدًا عن اللوائح الجاهزة أو ما يُوصف بـ"التوريث"، منعًا لإعادة إنتاج التجربة السابقة.

وأكد المسؤول الفتحاوي لـ"النشرة" أن هذا التباين لا يعكس حالة انقسام، بقدر ما عكس روح المسؤولية والانتماء، ورسّخ مفاهيم الديمقراطية والشراكة الوطنية، وفتح المجال أمام الطاقات الشابة والكفاءات الوطنية والمرأة لتكون شريكًا أساسيًا في مسيرة البناء والنهوض الوطني والتنظيمي.

واشار إلى أن نجاح المؤتمر لم يكن مجرد استحقاق تنظيمي، في ظل الظروف السياسية والأمنية الصعبة التي تعيشها القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها، بل رسالة وطنية واضحة تؤكد أن حركة "فتح" ستبقى الحارس الأمين للمشروع الوطني الفلسطيني، والمدافع الأول عن القرار الوطني المستقل، والسند الحقيقي للشعب الفلسطيني في معركة الحرية والاستقلال وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف والعودة.

وشدد على أن وحدة حركة "فتح" وقوتها تمثل صمام أمان للمشروع الوطني الفلسطيني، وأن المرحلة القادمة تتطلب المزيد من التكاتف والوعي الوطني والالتفاف حول القيادة الفلسطينية الحكيمة برئاسة فخامة السيد الرئيس محمود عباس، لمواجهة التحديات والمؤامرات التي تستهدف شعبنا وقضيته العادلة.

وفي لبنان، اكتسب المؤتمر أهمية خاصة، كونه جاء بعد سلسلة تغييرات شهدتها الحركة على المستويات الدبلوماسية والعسكرية والتنظيمية والسياسية والإعلامية، بإشراف مباشر من الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني محمود عباس، ​ياسر عباس​، المرشح لعضوية اللجنة المركزية، رغم أنه لم يشغل سابقًا أي منصب رسمي في السلطة أو موقعًا تنظيميًا داخل الحركة.

كما اكتسب أهمية في لبنان لكونه استضاف مشاركين من مختلف الساحات الخارجية، بدءًا من سوريا وصولًا إلى دول الاتحاد الأوروبي والشتات الفلسطيني، حيث شارك نحو 164 عضوًا، من بينهم 91 عضوًا من لبنان جرى اعتمادهم رسميًا.

ورغم هذه الأهمية، لم يخلُ المؤتمر من وجود اعتراضات على آلية قبول بعض الأعضاء واستبعاد آخرين، إلى جانب تساؤلات بشأن تراجع عدد المشاركين مقارنة بالمؤتمر السابع، كما في تشكيل اللوائح ونسج التحالفات، وما تخفيه من مؤشرات على استبعاد هذا أو ذاك.

توازيًا، لم تؤثر الخلافات التي ظهرت إلى العلن مع السفير الفلسطيني السابق أشرف دبور على مسار المؤتمر أو نتائجه، إذ إن التحالفات الجديدة جرى بناؤها بالتنسيق مع القيادة الفلسطينية في الداخل، وقد هندسها ياسر عباس الذي لعب دورًا محوريًا في إعادة ترتيب الملفات بما يخدم التوجهات القيادية، إلى جانب السفير الفلسطيني الدكتور محمد الأسعد.

نتائج الانتخابات

وكشفت نتائج الانتخابات عن احتفاظ الأسير ​مروان البرغوثي​، المعتقل في سجون الاحتلال منذ عام 2002، بمقعده في اللجنة المركزية (1877 صوتًا)، فضلًا عن فوز ياسر عباس (1290 صوتًا)، ومدير المخابرات اللواء ​ماجد فرج​ (1861 صوتًا).

كما فاز ​زكريا الزبيدي​ (1194 صوتًا)، وهو أحد قادة كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة فتح في مخيم جنين، والذي أُفرج عنه من سجون الاحتلال ضمن صفقة تبادل بين “إسرائيل” وحركة حماس العام الماضي.

وأظهرت النتائج حصول ​جبريل الرجوب​ على (1609) أصوات، ونائب الرئيس ​حسين الشيخ​ (1570 صوتًا)، تليه ​ليلى غنام​ (1472 صوتًا)، ثم نائب رئيس حركة فتح ​محمود العالول​ (1469 صوتًا)، و​توفيق الطيراوي​ (1361 صوتًا).

وفاز كلٌّ من تيسير البرديني (1214 صوتًا)، وأحمد أبو هولي (1146 صوتًا)، وأحمد حلس (1081 صوتًا)، وعدنان غيث (1024 صوتًا)، وموسى أبو زيد (946 صوتًا)، ودلال سلامة (937 صوتًا)، ومحمد المدني (898 صوتًا)، وإياد صافي (897 صوتًا)، ومحمد اشتية (891 صوتًا).

وغاب عن اللجنة أعضاء بارزين، أمثال: ​عزام الأحمد​، وهو يشغل منصب أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية، وعباس زكي، وجمال محيسن، وسمير الرفاعي، وإسماعيل جبر، وروحي فتوح، وصبري صيدم، ولم يترشح ناصر القدوة، بينما توفي صائب عريقات عام 2020 بسبب فيروس كورونا.

خلاصة، يأمل الفتحاويون، أن يشكل المؤتمر نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من العمل الوطني والتنظيمي، عنوانها التجديد، والوحدة، والانضباط، والشفافية، بما يعزز مكانة الحركة كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني، وحاضنة لتطلعات شعبها في الحرية والاستقلال.