مع اقتراب تمديد ​وقف إطلاق النار​ وفق المنظور ال​إسرائيل​ي لمدة 45 يوماً، ملأت التسريبات الأجواء خلال الأيام الماضية بالحديث عن تثبيت حقيقي لوقف الحرب. ويُرجّح أن أي اتفاق محتمل سيكون أقرب إلى «اختبار نوايا» متعدد الأوجه، تقيس من خلاله الأطراف المعنية حدود الممكن قبل الانتقال إلى أي التزام فعلي، وسط تداول تواريخ محددة تتقاطع مع انتهاء الهدنة السابقة وبداية جديدة محتملة.

بدأت الحكاية عقب انتهاء الجولة الأخيرة من ​المفاوضات​ في ​واشنطن​، حين أبلغ رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ الثنائي الشيعي بانتهاء الاجتماعات، لكن المساعي لتثبيت وقف إطلاق النار لا تزال مستمرة. وفي هذا السياق، نقلت السفيرة ال​لبنان​ية في واشنطن ​ندى حمادة​ معطيات تُشير إلى مرونة أميركية تجاه المطلب اللبناني، مرجحةً إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال ساعات، على أن تُعدّ الأيام الأولى اختباراً تمهيدياً لمدى التزام إسرائيل الكامل، تمهيداً لجولة التفاوض الجديدة المقررة في ​2 حزيران​ المقبل.

ووفق مصادر مقربة من رئاسة الجمهورية، فإن المعطيات التي نقلتها السفيرة حمادة من واشنطن إلى بيروت حملت إشارة سياسية واضحة: الإدارة الأميركية باتت مستعدة لفتح نافذة ضيقة نحو تثبيت وقف لإطلاق النار، ولو بصيغة تجريبية أولاً، على أن يُبنى على نتائجها لاحقاً.

أعادت هذه الإشارة، رغم محدوديتها الزمنية، تحريك المياه الراكدة في الداخل اللبناني. وقد تلقّفها الرئيس عون بسرعة، وتعامل معها، بحسب المصادر، كفرصة يجب اختبارها. فالمسألة بالنسبة إليه لا تقتصر على وقف النار فحسب، بل تتعلق بإمكانية تحويل هذا الاختبار إلى مدخل لتهدئة أوسع، تُجبر جميع الأطراف على إعادة حساباتها في ضوء المستجدات الميدانية والسياسية.

غير أن أحداث نهاية الأسبوع الماضي كشفت أن الطريق إلى هذا السيناريو ليس معبّداً كما روّج البعض. فالتفاؤل الذي ساد بعض الأوساط، خاصة بعد إبلاغ عون للثنائي الشيعي بإمكانية تحقيق خرق نحو وقف شامل، اصطدم بالموقف الإسرائيلي الذي لا يبدي أي استعداد لوقف شامل لإطلاق النار، مستنداً إلى ما يصفه بـ«الدفاع عن النفس» وإلى ورقة صادرة عن الخارجية الأميركية عقب الجلسة التفاوضية الأولى في واشنطن.

كما يقف جدار من انعدام الثقة بين إسرائيل و​حزب الله​، الذي يشترط للالتزام بأي هدنة وقفاً إسرائيلياً كاملاً لإطلاق النار والاغتيالات، والتوقف عن أي تحرّك عسكري أو عمليات تفجير وتدمير. ويرى الحزب أن أي هدنة، حتى الموقتة منها، لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للصراع وعن الحسابات الإقليمية التي تحكم إيقاعه.

أما على صعيد التوقيت، فقد تداولت التسريبات موعد منتصف ليل الأحد أو الاثنين، بعد تأجيل الموعد السابق الذي كان مقرراً لمنتصف ليل السبت. ويعود اعتماد هذا التوقيت إلى انتهاء الهدنة السابقة في ​17 أيار​، حيث كان السعي لجعل الفترة الجديدة مختلفة زمنياً عن سابقتها، وهو ما لم يتحقق بعد.

في هذا الإطار، تبدو واشنطن وكأنها تُدير التوتر دون إنهاء الحرب فعلياً، في ظل ارتباط التحرّكات الإسرائيلية بموافقة أميركية شاملة. وفي بيروت، ينقسم التعاطي مع هذه العروض بين من يراها فرصة لاقتناصها لتخفيف الضغوط، ومن يتعامل معها بحذر شديد، استناداً إلى تجارب سابقة مع هدنات مؤقتة تحوّلت غالباً إلى أدوات ضغط إضافية.

اللافت أن فكرة التجربة المؤقتة لأيام، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل رسائل متعددة. فمن جهة، تعكس رغبة في اختبار مدى التزام الأطراف وقدرتها على ضبط الميدان، ومن جهة أخرى، تتيح لواشنطن تقييم ردود الفعل تمهيداً لصياغة مقاربة أوسع إذا توافرت الظروف. في المقابل، يقرأها آخرون كفخ سياسي يهدف إلى تعديل قواعد الاشتباك تدريجياً تحت عنوان «التهدئة»، مع الإشارة إلى أنه في حال تحقق الهدوء، لم تكن هناك نية لإعلانه رسمياً أو المطالبة بعودة النازحين فوراً، بل كان المخطط يقتصر على انتظار جولة التفاوض المقبلة لإعلان إجراءات جديدة مشروطة بنجاح التجربة والتزام الجميع.

وبعد تتابع الأخبار وتبدّدها، يرى بعضهم أن ما نُشر لم يكن سوى محاولات لظهور السلطة اللبنانية بمظهر الساعي الجاد لإنهاء الحرب، وهو ما يستدعي قراءة النوايا لا الوقائع. بينما يرى آخرون فيها محاولة لتحميل حزب الله مسؤولية استمرار الحرب، مع التنويه إلى أن إسرائيل، في حال قررت الالتزام، ستشترط قيام الجيش اللبناني بإجراءات حاسمة لنزع السلاح من مناطق محددة.

إذاً، لم يكن ما خاضته السلطة اللبنانية سوى جولة أولى في مسار معقد تتداخل فيه الحسابات المحلية والإقليمية والدولية. وبين التفاؤل والحذر، يبقى السؤال الجوهري: هل ما طُرح بداية مسار جدي نحو وقف شامل لإطلاق النار، أم مجرد مناورة جديدة في لعبة إدارة الصراع؟