كلما اقترب ​لبنان​ من استحقاق جديد في المسار المتعلق بالجنوب، بدا أن النقاش ينتقل من العناوين العامة إلى الأسئلة الصعبة. فالأمر لم يعد محصورًا بوقف الاعتداءات أو منع توسع الحرب، على أهمية ذلك، وإنما بات يتصل بما سيحدث بعد الهدنة: من يملك قرار التنفيذ؟ ما هو الدور الذي سيُطلب من ​الجيش اللبناني​؟ أين تبدأ حدود الدولة وأين تنتهي حدود "​حزب الله​"؟ وهل يتحول وقف النار من مطلب لبناني جامع إلى بوابة تفاوض على بنية القرار الأمني الداخلي؟

في الظاهر، يبدو المسار واضحًا: وقف الاعتداءات، انسحاب ​إسرائيل​ي، تثبيت الاستقرار، انتشار الجيش، وعودة الأهالي إلى القرى الحدودية. غير أن ما يحيط به من تفاصيل يكشف أن لبنان مقبل على نقاش أعمق من الحدود والهدنة. فواشنطن وتل أبيب تتعاملان مع وقف إطلاق النار كمدخل إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد، تتصل بسلاح "حزب الله"، ودور الجيش، ومصير المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، وربما بشكل أوسع بمستقبل التوازنات الداخلية اللبنانية.

من هنا، فإن الخطر لا يكمن فقط في أن يفشل لبنان في انتزاع وقف إطلاق نار واضح، وإنما في أن يجد نفسه داخل مسار تفاوضي يُعاد من خلاله تعريف الداخل اللبناني تحت عنوان الأمن. عندها، لا يكون النقاش على الحدود وحدها، ولا على الانسحاب وحده، وإنما على العلاقة بين الدولة والحزب والجيش، وعلى قدرة لبنان على منع تحويل الضغط الخارجي إلى هندسة داخلية مفروضة.

وبهذا المعنى، لا يبدو موعد ​29 أيار​ محطة تقنية عابرة في مسار الاتصالات الجارية. هو أقرب إلى اختبار سياسي وأمني في آن واحد، لأنه يضع الدولة أمام سؤال لم تعد قادرة على تأجيله: كيف يمكن أن تستعيد دورها في الجنوب من دون أن يتحول ذلك إلى صدام داخلي، أو إلى تنفيذ لشروط خارجية تُفرض تحت ضغط ​الغارات​ و​الاحتلال​؟

من وقف النار إلى إعادة ترتيب الجنوب

منذ بداية المسار الحالي، حاول لبنان تثبيت تسلسل واضح: وقف الاعتداءات أولًا، انسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها، عودة الأهالي، ثم انتشار الجيش في بيئة آمنة تسمح له بالقيام بدوره. وبحسب المنطق اللبناني، فإن بدء المسار من وقف الحرب والانسحاب يجعل البحث في ​الترتيبات الأمنية​ شأنًا داخليًا يُدار من موقع أقل هشاشة. أما إذا بدأ من الشروط الأمنية قبل الانسحاب، فإن لبنان يدخل التفاوض من موقع دفاعي، وتصبح حقوقه البديهية مرتبطة بما يقدمه داخليًا من تنازلات.

إلا أنّ الطروحات الدولية المتداولة حاليًّا في الكواليس تنحو باتجاه مغاير تمامًا، حيث تضغط القوى الخارجيّة لعكس التسلسل اللبناني، أو بالحدّ الأدنى دمج هذه الملفات كلها في سلة واحدة تشمل وقفًا للنار متزامنًا مع خطة انتشار أمنيّة وعسكريّة حاسمة جنوب ​نهر الليطاني​، الأمر الذي من شأنه أن يفرض واقعًا جديدًا يربط الاستقرار المستدام بمدى جهوزية لبنان لتقديم إجابات واضحة وحاسمة حول هوية وطبيعة الإدارة الأمنيّة والعسكريّة في الجنوب.

يتجلى ذلك بوضوح في المقاربة الأميركية - الإسرائيلية، التي تربط وقف إطلاق النار بالضمانات، والانسحاب الإسرائيلي بمستقبل ​السلاح​. حتى انتشار الجيش، وفق هذه المقاربة، لا يُنظر إليه كترجمة طبيعية لسيادة الدولة، وإنما كجزء من ترتيبات مطلوب منها أن تطمئن إسرائيل قبل أن تطمئن اللبنانيين. بهذا المعنى، يتحول الجنوب إلى ساحة اختبار مزدوجة: اختبار لقدرة الدولة على ملء الفراغ، واختبار لقدرة "حزب الله" على القبول بتغييرات ميدانية لا تبدو معزولة عن ميزان القوى الجديد.

هذا لا يعني أن انتشار الجيش يجب أن يكون موضع اعتراض، أو أن استعادة الدولة لدورها في الجنوب مسألة قابلة للتأجيل. العكس هو الصحيح. فكلما تأخر حضور الدولة الفعلي، ازداد الخارج قدرة على صياغة الشروط بدلًا منها. لكنّ السؤال الحاسم هو: بأي شروط يعود الجيش إلى موقع متقدم؟ وهل تكون مهمته تثبيت السيادة، أم تنفيذ تفاهمات لا يملك لبنان كل شروطها؟

اختبار الجيش و"حزب الله"

في قلب هذا المشهد، يبرز الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الوحيدة القادرة على منح أي تسوية حدًا أدنى من الشرعية الداخلية. فكل الأطراف، في الداخل والخارج، تتحدث عن دور الجيش، وتجمع نظريًا على ضرورة دعمه وتعزيز انتشاره. غير أن الإجماع اللفظي لا يلغي التباين حول طبيعة هذا الدور. فهناك فرق كبير بين أن يكون الجيش عنوانًا لاستعادة الدولة، وبين أن يتحول إلى أداة ضغط على توازن داخلي لا يمكن تفكيكه بقرار إداري أو بجدول زمني خارجي.

من جهة أخرى، يدرك "حزب الله" أن مرحلة ما بعد الهدنة، إذا ثبتت، لن تشبه ما قبلها. فالنقاش لم يعد محصورًا في وقف الغارات أو منع توسع الحرب، وإنما أصبح يتصل مباشرة بمستقبل حضوره العسكري جنوبًا وبحدود التنسيق مع الدولة. وبالتالي، فإن الحزب لا يستطيع تجاهل التحولات السياسية والعسكرية التي فرضتها الحرب، لكنه في الوقت نفسه لن يقبل بأن يُفتح ملف السلاح تحت ضغط الاحتلال والغارات والتهديد.

بين هذين الحدين، تتحدد مساحة المناورة الداخلية. فالمشكلة الجوهرية لا تكمن في مبدأ انتشار الجيش اللبناني بحد ذاته، وهو أمر تحظى شرعيته بإجماع وطني واسع، لكنها تكمن في الظروف السياسية المحيطة بهذا الانتشار. فإذا تم هذا الانتشار تحت وطأة الضغوط الخارجية المباشرة وبشروط أميركية وإسرائيلية صارمة، فإنه قد يضع الجيش والحزب في مواجهة سياسية وعملية غير معلنة، ما يحول الترتيبات الأمنية إلى عبء داخلي ثقيل يهدد السلم الأهلي، بدلًا من أن يكون صمام أمان للوطن في مواجهة الأطماع الخارجية.

أين تستطيع الدولة المناورة؟

وسط هذه الشبكة المعقدة، يبرز السؤال عن الهوامش المتبقية للدولة اللبنانية للمناورة. فهي لا تملك ترف رفض المسار الأمني من حيث المبدأ، كما لا تملك ترف الدخول إليه من دون شروط. فالعالم يتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب بوصفها مرحلة ترتيبات وضمانات، ولبنان لا يستطيع أن يتصرف كأن ملف السلاح ودور الجيش وقرار الحرب والسلم غير مطروحة.

لكنّ الاعتراف بأن هذه الملفات باتت على الطاولة لا يعني السماح للخارج بتحديد ترتيبها وأولوياتها ونتائجها. من هنا، فإن المناورة الممكنة تبدأ من تثبيت قاعدة أساسية: لا ترتيبات أمنية مستدامة من دون انسحاب واضح، ولا نقاش داخلي جدي تحت سقف الغارات والاحتلال.

فإذا كان المطلوب تعزيز دور الجيش، فليكن ذلك ضمن خطة دعم واضحة ومعلنة، لا ضمن ضغوط تطلب منه مهمات أكبر من قدراته الحالية. وإذا كان المطلوب البحث في مستقبل السلاح، فلا يمكن أن يحصل ذلك كملحق لاتفاق أمني مفروض، وإنما كجزء من نقاش وطني حول الاستراتيجية الدفاعية وحدود الدولة ووظيفتها.

المعادلة هنا لا تعني الانكفاء عن المسار الأمني الدولي أو رفضه بالمطلق، وإنما تتطلب كفاءة سياسية استثنائية تمنع تحويل هذا المسار إلى وصاية مقنّعة على القرار السيادي. وعليه، فإن نجاح لبنان في تفكيك هذه الألغام السياسية والأمنية يعتمد بالدرجة الأولى على صياغة موقف داخلي موحّد يتجاوز التباينات التقليدية بين ​بعبدا​ وعين التينة وحزب الله وقيادة الجيش، لقطع الطريق أمام أي محاولة دولية لفرض ترتيبات خارجية تُضعف ما تبقى من استقرار داخلي.

في الخلاصة، قد يكون 29 أيار أكثر من موعد أمني. قد يكون بداية انتقال من تفاوض على النار إلى تفاوض على الداخل، ومن بحث في وقف الاعتداءات إلى بحث في شكل السلطة الأمنية جنوبًا. وهنا تكمن خطورة المرحلة ودقتها. فلبنان يحتاج إلى وقف الحرب والانسحاب، لكنه يحتاج أيضًا إلى منع تحويل هذين المطلبين إلى مدخل لوصاية جديدة على قراره الداخلي.

المسار الأمني ليس شرًا بحد ذاته إذا كان جزءًا من استعادة الدولة لدورها. لكنه يصبح خطرًا إذا تحول إلى أداة لإعادة ترتيب الداخل تحت ضغط خارجي. وبين هذين الاحتمالين، ستُختبر قدرة لبنان على إدارة ما يصحّ وصفها بأخطر مراحل ما بعد الحرب.