لا تزال المواقف التي أطلقها أمين عام "​حزب الله​" الشيخ ​نعيم قاسم​ من الحكومة، العنوان الأبرز على الساحة المحلية، لا سيما بعد ردود الفعل عليها، حيث ربطت بأكثر من معطى برز تباعاً، الأول موقف وزير الخارجية الأميركية ​ماركو روبيو​، الثاني موقف أمين عام مجلس التعاون الخليجي ​جاسم محمد البديوي​، بينما الثالث، الذي قد لا يكون على علاقة مباشرة بالمواقف، التوجه الإسرائيلي نحو تصعيد العمليات العسكرية على جبهة ​لبنان​.

في الصورة العامة، لم تخرج أبرز القراءات، لما أدلى به الشيخ قاسم، عن وضعه في سياق السعي إلى الربط بين الملفين اللبناني وال​إيران​ي، في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن اقتراب الوصول إلى تفاهم أولي بين واشنطن وطهران، لكن الأهم أنها أيضاً رسالة متعلقة بالمفاوضات المباشرة بين بيروت و​تل أبيب​، قبل الاجتماع الأمني الذي من المقرر أن يعقد في 29 الشهر الحالي، حيث أراد الضغط على السلطة الرسمية من أجل التراجع عن هذا المسار.

في هذا السياق، تشير مصادر معارضة للحزب، عبر "النشرة"، إلى أنه يحاول، منذ فترة، استدعاء الأجواء التي كانت قد سبقت أحداث السابع من أيار 2008، من خلال المواقف التهديدية التي يطلقها بعض المسؤولين فيه، في مؤشر على حالة الإرباك التي يعيشها، بعد سقوط المعادلات التي كان يعلن عنها، على الرغم من أن ذلك لا يرتبط بأي فريق محلي، بل يعود إلى نتائج ما أقدم عليه، سواء في حرب إسناد ​غزة​ في العام 2023، أو في الحرب الحالية بعد اغتيال المرشد الإيراني السيد ​علي خامنئي​.

بالنسبة إلى هذه المصادر، هناك نقطة مفصلية يتعمد الحزب تجاهلها، وتكمن في أنه في الحربين لم يكن هناك أي تأييد له، من قبل أي فريق سياسي وازن على الساحة المحلية، وبالتالي لا يستطيع اليوم أن يطلب من جميع القوى أن تتبنّى وجهة نظره، لا سيما أن نتائج الحرب التي يخوضها واضحة على أرض الواقع، وتسأل: "إذا كان حزب الله قد قرّر الانتحار تفادياً للتخلي عن سلاحه، فهل المطلوب منا جميعاً أن نسير معه إلى هذا المصير؟"

في الوقت الراهن، لا يمكن تجاهل استمرار رهان الحزب على نتائج ​المفاوضات الأميركية الإيرانية​، حيث البحث عن إمكانية أن تنجح طهران في فرض اتفاق شامل لوقف إطلاق النار في لبنان، على الرغم من الرفض الإسرائيلي الحاسم، إلا أن الأهم يبقى أن ذلك لا يعني معالجة معضلتين رئيسيتين: الأولى هي كيفية تأمين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، أما الثانية فهي ما هو مصير سلاح "حزب الله" في المستقبل؟

على الرغم من أن المصادر المعارضة للحزب لا تستبعد أن يعمد إلى تنفيذ تهديداته المتعلقة بالسعي إلى إسقاط الحكومة، إذا ما أدرك أن مسار المفاوضات المباشرة، برعاية أميركية، لا يسير في صالحه، توضح مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، أن هذا الاحتمال، تحديداً من خلال التحركات في الشارع، لا يزال مستبعداً، خصوصاً أنه يحتوي على مجموعة من المخاطر، تبدأ من أنه قد لا يحقق النتائج المطلوبة، إذ ثمة تجربة سابقة أثبتت أن مثل هذه التحركات لا تُسقط الحكومة، كما حدث في التحركات التي استهدفت حكومة ​فؤاد السنيورة​.

بالإضافة إلى ذلك، تشير هذه المصادر إلى أن أي تحركات جديدة لن تكون، على مستوى الثقل السياسي، جامعة، بل قد تجد في المقابل تحركات مواجهة لها، في ظل حالة الاحتقان القائمة على جميع المستويات، لكنها تلفت إلى أنها قد تنجح في عرقلة عمل الحكومة، وبالتالي استدعاء تدخلات خارجية من أجل تفادي خروج الأمور عن السيطرة، إلا أنها تشدد على أن ما يجب السؤال عنه هو قدرة هذا الاحتمال على قلب الموازين، أو تغيير مواقف القوى الإقليمية الفاعلة على الساحة اللبنانية، التي تدعم موقف السلطة الرسمية؟

في المحصلة، ترى المصادر نفسها أن معالجة الملف اللبناني تبقى مرتبطةً بالمفاوضات مع إيران، دون أن يعني ذلك قدرتها على تأمين بقاء وضعية سلاح الحزب على ما هي عليه، لكنها في المقابل، خصوصاً إذا ما تقدمت المناقشات مع ​الولايات المتحدة​، قد تفتح الباب أمام مكاسب سياسية لأي معالجة، هناك من بدأ يلمح لها بشكل علني، لكن الحصول عليها قد لا يكون سهلاً.