ثمة فارق جوهري بين أن تستخدم القوة العسكرية ورقةَ ضغط على مفاوضات قائمة، وبين أن تستخدمها لرسم الميدان الذي ستجري فيه تلك المفاوضات. الأول تكتيك مألوف في تاريخ الصراعات، فيما الثاني استراتيجية مختلفة بالكامل: لا تُكرهك على تقديم تنازلات فحسب، لكنها تُعيد تعريف ما يُعدّ تنازلاً أصلاً.
ما يجري اليوم في جنوب لبنان ينتمي إلى النوع الثاني، حيث لا يبدو لبنان، في الساعات الأخيرة، أمام تصعيد عسكري عابر يمكن إدراجه في خانة رفع السقف قبل جولة تفاوضية جديدة. ما يجري على الحدود، وما يتجاوز الحدود أيضًا، يوحي بأنّ إسرائيل لم تعد تستخدم الميدان للضغط على التفاوض فحسب، وإنما تحاول أن تجعل من الميدان نفسه مادة التفاوض الأولى.
بمعنى آخر، لم يعد السؤال محصورًا بما إذا كانت الغارات ستتوقف أو تتراجع أو تتوسع، بل بما إذا كانت الوقائع التي تُرسم الآن على الأرض ستتحول لاحقًا إلى مرجع سياسي وأمني يُطلب من لبنان التعامل معه كأنه نقطة انطلاق جديدة. وهذا ما يثير الكثير من الهواجس، فإسرائيل لا تذهب إلى التفاوض من موقع من ينتظر ما ستنتجه الطاولة، ولكن من موقع من يحاول أن يسبقها بفرض خريطة جديدة، يصبح التفاوض عليها، وليس على ما قبلها.
هذا هو الفارق الجوهري بين التصعيد بوصفه رسالة والتصعيد بوصفه تثبيتًا. في الحالة الأولى، تُستخدم الضربات لرفع الكلفة على الخصم ودفعه إلى تقديم تنازلات. أما في الحالة الثانية، وهي الأخطر، فيُستخدم التحرك العسكري لإنتاج واقع جديد يصبح لاحقًا موضوعًا للتفاوض لا خرقًا يجب إنهاؤه. حينها ينقلب تسلسل الأمور، ويصبح الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا بضمانات، بدل أن يكون حقًا بديهيًا. فأيّ هامش يبقى للبنان في هذه الحالة؟
الميدان يسبق الطاولة
منذ أسابيع، تكثّف إسرائيل وتيرة الغارات الجوية التي تشنّها على مختلف القرى الحدودية، إلى حدّ باتت معه روتينًا يوميًا حتى في مرحلة ما يسمّى باتفاق وقف إطلاق النار. لكن في الأيام الأخيرة، يبدو أنها لم تعد تكتفي بذلك، حيث تُوسّع عملياتها البرية شمال ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وتضغط على النبطية وصور ومحيطهما، وتُصدر أوامر إخلاء تشمل مدنًا لا قرى.
هذا التوسع لم يحدث عشوائيًا، ولا في فراغ سياسي، وإنما عشية اجتماع البنتاغون المقرّر حول لبنان، وقبيل الجولة التفاوضية المباشرة التي يفترض أن تعقد برعاية أميركية في الثاني والثالث من حزيران المقبل. وهنا، ليس خافيًا على أحد أنّ التوقيت ليس مصادفة، كما أن الرسالة ليست للرأي العام الداخلي الإسرائيلي وحده.
ما تفعله إسرائيل، بصياغة أدق، هو أنها تصنع ميدان التفاوض قبل أن يجلس أحد إلى الطاولة. فحين تتوغل شمال خط كانت تدّعي احترامه ضمنيًا، فإنها تُنشئ واقعًا جديدًا يصبح نقطة البداية في أي نقاش لاحق حول الانسحاب. وحين تربط ذلك الانسحاب صراحةً بملف سحب سلاح "حزب الله"، فإنها تُحوّل مسألة سيادية لبنانية داخلية إلى شرط مسبق لاسترداد أرض محتلة.
الامتحان اللبناني في واشنطن
باختصار، تصبح المعادلة معكوسة تمامًا، فبدل أن تنسحب إسرائيل أولًا من النقاط التي احتلّتها ثم تتفاوض، تفرض معادلة جديدة كأمر واقع، فيصبح التفاوض على الانسحاب مقابل مكاسب مرتبطة بسلاح "حزب الله". هنا تحديدًا تكمن خطورة الموقف، فلبنان الذي يذهب إلى واشنطن في هذه اللحظة بتفويض واضح قوامه وقف النار أولًا، يُدفع إلى التفاوض انطلاقًا من خريطة لا يصنعها، ولا يعترف بها أصلًا، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى مناقشة تفاصيلها.
في المبدأ، الموقف اللبناني الرسمي مشروع قانونيًا وأخلاقيًا، وله ما يسنده في كل الأعراف الدولية. غير أن المشكلة ليست في مشروعية الموقف، ولكن في اللحظة التي يُساق فيها. فلبنان يطالب بوقف إطلاق النار بينما الميدان يتغير كل ساعة، وبينما إسرائيل تُحدث وقائع تجعل أي هدنة مقبلة صورةً لوضع مغاير عمّا كان قبل أسابيع. وبالتالي، فإنّ الوقف الذي سيُطلب التفاوض عليه لاحقًا لن يكون وقفًا للعودة إلى ما قبل، وإنما إقرارًا بما أنتجه الميدان.
لهذا السبب، سيكون الامتحان اللبناني في واشنطن أعمق من صياغة موقف تفاوضي متماسك. المطلوب ليس فقط أن يكرر الوفد اللبناني ثوابته، من وقف النار إلى الانسحاب وتطبيق القرار 1701. ما عليه فعله هو أن يمنع تحويل الوقائع المستجدة إلى أساس للنقاش. فهناك فرق كبير بين أن يفاوض لبنان على كيفية إنهاء الخرق الإسرائيلي، وبين أن يجد نفسه يفاوض على كيفية إدارة نتائج هذا الخرق. في الحالة الأولى، يكون متمسكًا بقاعدة سيادية واضحة. في الحالة الثانية، يدخل تدريجيًا في منطق الأمر الواقع، حتى لو رفضه في الخطاب.
حين يصبح الانسحاب مشروطًا بالداخل
انطلاقًا ممّا سبق، تبدو المعركة السياسية الحقيقية اليوم معركة على "نقطة البداية". هل يبدأ النقاش من الوقائع التي فرضتها إسرائيل في الميدان، أم من القاعدة التي تقول إنّ أي واقع نشأ بفعل القوة لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة تفاوضية؟ هل يبدأ البحث من خرائط إسرائيلية وإحداثيات وادعاءات أمنية، أم من مطلب لبناني واضح بوقف الخروقات والانسحاب الكامل؟ وهل يذهب لبنان إلى المسار الأمني بوصفه دولة تطالب باستعادة سيادتها، أم بوصفه طرفًا يُطلب منه إثبات أهليته للسيادة أمام من ينتهكها؟
هذه الأسئلة ليست نظرية. فكل تسوية تبدأ من خريطة مختلة تنتهي غالبًا إلى ترتيب مختل. وإذا قبل لبنان، ولو بصورة غير مباشرة، بأن تكون الأرض التي تتحرك عليها إسرائيل اليوم موضوعًا للبحث غدًا، فإنه يكون قد خسر جزءًا أساسيًا من معركته قبل أن يبدأ التفاوض الجدي. لا لأنّ التفاوض خطأ في ذاته، ولا لأنّ أي مسار أمني يجب أن يُرفض مسبقًا، وإنما لأنّ التفاوض يفقد معناه عندما يتحول من وسيلة لاستعادة الحق إلى آلية لتنظيم التنازل عنه.
أكثر من ذلك، فإنّ الخطر الأكبر في هذه المعادلة هو أن يتحول الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب إلى قضية مشروطة بملفات داخلية لبنانية بامتياز. فحين تقول إسرائيل إن انسحابها مرهون بسحب سلاح "حزب الله"، فإنها تُدخل توازنات القوى الداخلية اللبنانية في صلب أي ترتيب أمني مستقبلي. وهذا يعني عمليًا أن إسرائيل ستبقى قادرة على تعطيل أي تسوية بحجة أن شرطها لم يُنجز بعد، في حين يبقى لبنان رهينة استحقاق داخلي شائك يتجاوز طاقة أي حكومة أو جيش على المدى المنظور.
لا يعني ذلك أن لبنان يجب أن يُسلّم بما يُفرض عليه، ولا أن الطرح الإسرائيلي يحظى بشرعية دولية. لكنه يعني أن الذهاب إلى التفاوض بوصفه مطالبةً بحقوق في مواجهة عدوان، يختلف اختلافًا جذريًا عن الذهاب إلى التفاوض وقد فات القطار الميداني على بعض محطاته. الفارق ليس في الحق، ولكن في القدرة على استرداده.
التفاوض من خلال التصعيد لا رغمه
تاريخيًا، لم تتوقف إسرائيل عن العمل العسكري انتظارًا لنتيجة المفاوضات. على النقيض، لطالما استخدمت المفاوضات فرصةً لتثبيت ما أنجزه الميدان. وبالتالي، فإنّ ما يجري اليوم ليس استثناءً، لكنه يحمل طابعًا مختلفًا، فللمرة الأولى منذ فترة، تجري عمليات توغل شمال خطوط كانت تشكّل سقفًا ضمنيًا، في اللحظة ذاتها التي تُعقد فيها مفاوضات رسمية ومعلنة برعاية أميركية.
هذا التزامن هو صميم المسار الواحد. إسرائيل لا تتفاوض رغم التصعيد. على العكس، هي تتفاوض من خلال التصعيد. قد تكون إسرائيل تراهن على أن ضغط الوقت والميدان سيجعلان لبنان يقبل بالتفاوض من داخل الوقائع الجديدة. وقد تكون واشنطن، كما في محطات كثيرة، أكثر اهتمامًا بإدارة التصعيد من إلغاء أسبابه. غير أنّ لبنان لا يملك ترف التعامل مع الجغرافيا كأنها تفصيل في جدول المفاوضات. فما يُرسم الآن جنوبًا قد يصبح لاحقًا عنوان المرحلة كلها، وما يُقبل به اليوم كإجراء ميداني قد يتحول غدًا إلى شرط سياسي.
وقف النار مهم، والانسحاب أساسي، ودور الجيش ضروري، لكنّ البداية الحقيقية تكون من رفض تحويل الاحتلال إلى ضمانة، والخط المستحدث إلى مرجع، والجغرافيا اللبنانية إلى مسودة اتفاق مكتوبة بالدبابات.