في واقعنا الشرقيّ الكاثوليكيّ أكثر ما يُلفتني كَثرة المشاكل العائليّة وصولًا إلى ​الطلاق​، فتور الإيمان والإنتماء، إكليريكيّون وكهنة ورهبان وراهبات يتركون رسالتهم وثوبهم وأحيانًا قناعاتِهم ويرجعون الى العالم مكسوري القلب والإيمان... مشاكل كاثوليكيّة بٱمتياز لكن ليست حِكرًا على الكاثوليك. أمَّا الحلّ فواحد لكلّ تلك ولغيرها: "الأبوّة الروحيّة". لكن هل كلّ مَنِ ٱرتسم على مذابح الكنيسة هو أبٌ روحيّ"؟! وما هي الأبوّة الروحيّة وكيف أميّز بين الكاهن والـ"أب"؟

1 - الإرشاد في التقليد الكَنَسي: في التقليد الشرقيّ القديم يُحفظ سرّ الإعتراف و​الإرشاد الروحي​ّ الى ​الرهبان​ المتوحِّدِين. لكن وبسبب الحاجات الروحيّة والرعويّة، ومشقّة التنقلات، مُنِحَ هذا السرّ الى كلّ الكهنة. إذن، السُلطان مُعطى، لكنّ الكلمة والتمييز موضوع آخر. جدير بالذكر أنّ سرّ الإعتراف يختلف عن الإرشاد الروحيّ. ويمكن أن يُمارسهما نفس الشخص لكنّ يُفضّل أن يكون الأمر عند شخصين مختلفين نظرًا للكاريزما المُعطاة والوقت المتاح واعتبارات أخرى.

أولًا ​الكهنوت​ مواهب

هنالك كهنة يتميّزون بأداء رائع في الإحتفالات الليتورجيّة. آخرون لديهم موهبة الوعظ، تنظيم وإدارة الأوقاف، التعليم، اللقاءات مع الشبيبة والمخيمات على انواعها، الإعلام، الإرشاد، الإعترافات، جلب وتمييز الدعوات الخ... في جميع الأَحوال لا يستطيع الكاهن أن يَقتَنِي كلّ تلك المواهب على الرغم من قدرته على ممارسة معظمها إن لم نقل كلَّها. هنا يأتي دور التنشئة والتربية في تهذيب شخصيّة الكاهن وتوجيهها نحو ما يُحب ونحو ما هو الأنسب له. ومن المفضّل بمكان تأدية الخِدَم بشكل لائق مع إفساح المجال لِمَنْ هو أقوى فيها إذا كان ذلك مُتاحًا. على سبيل المثال لا الحصر: إذا طُلِبَ مِنِّي تنظيم مخيّم عمل رسولي ولديّ زميل بارع في هذا الميدان فمن البديهي أن لا أتشبث برأيي وأتواضع وأنسحب له. كل هذا إذا كان همِّي الأكبر خلاص النفوس وهنا بيت القصيد.

2 -ما هي الأبوَّة الروحيّة؟

لكي أكون أبًا روحيًّا عليّ أن أتحلّى بالنضجِ الكافي بما يعني ذلك من رجولة (وهي غير الذُكُورَة) وشهامة وخبرة حياة وٱنتصارات روحيّة عديدة لكن خفيّة إلّا عن عين السيّد الربّ. من بعد النضوج الروحي والجسدي تأتي الخبرة مع الله وأولويّة المخلّص في الحياة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ربِّي ​يسوع المسيح​ هو سيّد حياتي المطلق ولا يُنازعه في ذلك أحد. منذئذٍ تبتدأ التلمذة والإتِّبَاع وٱقتفاء أَثَر وآثار المسيح في الكتاب المقدّس ووالدة الإله وآباء الكنيسة والقدِّيسين. ومن بعد الإتّباع "أن أكون ٱبنًا" للآب الأزليّ. الأب الروحيّ هو إبن، وٱبنٌ عزيز جدًا في عينَي أبيه السماويّ وهو مَفدِيٌّ بِدَمِهِ ونال العِتقَ والخلاص وأصبح ٱبن الملكوت.

3 –كيف نميّز بين الكاهن والأب الروحيّ؟

للمؤمن حريّة الإختيار في من يختار من الكهنة ليكون مرشده ومُعرِّفَهُ. لكن عليه أن يكون حكيمًا وحَذِرًا في نفس الوقت في الإختيار كي لا يقع في الخطأ. الخطأ أن يتحوّل المرشد الى صديق يَغُضُّ النظر عن أخطائنا وخطايانا ويتسامح حيث ينبغي أخذ الموقف الواضح. الأبوّة تحافظ على مسافة واضحة مع الإبن لكي لا تُفهم المحبّة بالضعف أو التخاذل. نتقدّم الى مرشدنا مرَّةً واحدة في الشهر على الأكثر أو إذا حصل أمرٌ جَلَل. نفتح قلبنا ونقول ما يقلقنا وما يمنعنا أن نتقدَّم في المحبّة. نسمع الردّ الروحيّ ونطيع مُرشدنا لأنَّ الطاعة تقدِّس. بين الكاهن المُنصَرِف الى خدمته الرعويّة أو الإداريّة والأب الروحيّ المتفرِّغ للرعاية الروحيّة فرقٌ واضح. كلٌّ ضمن أولوياتِه. لكن بالنسبة للسالك في طريق ربنا فخلاص النفوس مَهمَّةٌ تعلو ولا يُعلى عليها لا إدارة مدرسة ولا رعية ولا حتى الديريّة منها. نصلِّي للروح القدُّوس لكي يمنحنا موهبة التميّيز. يقول ​القديس يوحنا السلمي​ بخصوص اختيار الأب الروحي هكذا: "متى أزمعنا بدافع الاتضاع وطلبًا للخلاص أن تخضع ذواتنا لشخص آخر ونأتمنه في الربّ، فلنعمد أولًا إلى الفحص والتدقيق، بل إلى اختبار مرشدنا إذا جاز القول، لاسيما إذا كُنَّا على شيء من الخبث أو التكبر، وذلك لئلا نصادف نُوتِيًّا بدلًا من ربّان ومريضًا بدلًا من طبيب، وانسانًا مستعبدًا للأهواء بدلًا من إنسان متحرّر منها، ولجة بدلًا من ميناء، فنلاقي غرقًا وشيكًا لنفوسنا" .

4 -واجبات الأب الرُّوحيّ

العطف والدعم: يسمع ويُصغي باهتمامٍ شَدِيدَين ويعير ٱنتباهه إلى التفاصيل لأنّ الله في التفاصيل. يخفِّف عن المؤمن وِزرَ الأخطاء والخطايا ويذكِّره بأنَّه ٱبنٌ بيسوع المسيح. يستفقد الأب ابنه في حال الغياب الطويل وفي بعض الحالات الخاصّة. يقف إلى جانبه عندما تثقل هموم الدنيا عليه ويذكِّره بوَعد الربّ: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ (متى 11/ 28)". يفعل ما بوسعِه لكي يعود هذا الإنسان الى حُلَّتِه الأولى وإلى فرحِه بالربّ ويوجِّهُه إلى مَنْ هو أكفأ منه في حال ٱقتضى الأمر ذلك.

التمييز والصلاة: طلب موهبة ​الروح القدس​ والصلاة أمران ضروريان. الصلاة تهدأ النفس وترجعها إلى خالقها. أمّا موهبة التمييز فهي نعمة من الروح المعزِّي لكي يتعرَّفَ المُرشد على حقيقة الأمر ولعدم الوقوع في الإلتباس. يقتضي الأمر أحيانًا أن تكون العائلة مجتمعة معًا وتصلّي بقلبٍ واحد ونيَّةٍ واحدة.

التواضع والصدق مع اللطف: الأب الروحيّ يتألّم لضعفات أبنائه الروحيّين؛ فيبكي من أجلهم كما يبكي ويتألم من أجل خطاياه الشخصيّة، ويقول مع الرسول: "مَنْ يتألّم ولا أتألّم أنا، مَنْ يخطئ ولا أحترق أنا" (2 كور 11: 29). كما يرافق نموّ أبنائه بصلواته ودموعه. إنّه إنسانٌ حقيقيٌّ لكن وَضَعَ أساسَه على التواضع ليتمجّد ٱسم يسوع المخلّص في كلّ الأرض. ولذلك عليه أن يتحلّى بالصِّدق واللُّطف والوداعة على مِثال مُعلِّمِهِ الإلهيّ. "وهو إذ يرشد الناس ويقويهم ويعزيهم، لا يرشدهم فقط بالنصائح والكلام، بل بمِثَاله الحَيّ وشخصه أيضًا، وأحيانًا بصمته. يكفيني أن أتطلع في وجهك يا أبت" قول مأثور في الحياة الرهبانية. إنّه يحملهم في صلاته ويبذل نفسه عنهم أمام الله. وكثيرًا ما يُعِيد الابنَ إلى بيته دونما حلّ، ليأتيه الحلّ من الله بواسطة صلاة الشيخ. هو لا يرشد من عِندِيَّاتِهِ ولا من ذكائه، ولا من علمه، بل من الروح القدس الذي سكن فيه ويتكلم من خلاله. لذلك قد يَصدِمُ جَوَابُه أحيانًا إذ يأتي بخلاف تامّ مع ما يتوقعه الابن" .

5 - خلاصة

هذا "البَيّ" يجب أن يكون لديه الحساسيّة الإجتماعيّة والثقافيّة لكل من يتقدّم إليه وبخاصة المجروحين والذين يعانون من مشاكل قديمة. فلا ينكأ الجراح بل ينظفها ويضع بلسم الروح القدس عليها حتى تُشفى ويَسعى إلى أن يتقبّل الإنسان نُدُوبَهُ، حتّى تتطهّر ذاكرته.

أَذكُر غبطة أبينا البطريرك ​يوسف عبسي​ عندما أتَى لاستفقادي في الإسكندَريّة فسألني عن حالي وأحوالي وهل أُصلِّي وماذا أُصلِّي ومن يهتمّ بمعيشَتي... وأخبرني أنَّهُ يستَفقِدُنِي لأنَّي ابنه الروحيّ كَونَهُ رَسَمَنِي كاهنًا. هذه اللفتة مِنه لا تزال حاضرة في ذاكِرَتِي كأنَّها الأمس القريب. وهي عِبرةٌ كَبيرة لي، ومَحبّةٌ لا أستحقُّها، وتواضع ولطف عَظِيمَان من رأس كنيستي. أقول هذا وأردِّد كم نحن بحاجة الى تلك الأبوَّة الروحيَّة التي تقدِّر وتحنو وتَعطُف وتستَفقِد في زمن التصحّر النفسيّ والروحيّ وتغليب الماديّة والأنانيّة. إنها ثقافة المحبّة التي تمشي في طريق ربنا مقابل النشوفة واليباس.