في اللحظة التي ظن فيها مهندسو الدبلوماسية الدولية في واشنطن وتل أبيب أن ضغط النار الكثيف على القرى والبلدات ال​لبنان​ية قد أينع تنازلات سياسية داخل أروقة بعبدا، جاء الخطاب الناري للأمين العام ل​حزب الله​ الشيخ ​نعيم قاسم​، ليعيد خلط الأوراق بالكامل على رقعة الشطرنج الإقليمية.

لم يكن الخطاب مجرد مرافعة سياسية أو تعليقاً عابراً على الأحداث، بل كان بمثابة "بيان عسكري سياسي" يفكّك بالكامل البنية التحتية للمفاوضات المباشرة التي جرت في واشنطن. لقراءة الأبعاد العميقة لهذا التحول، يقتضي المشهد تشريحاً بنيوياً لخطاب قاسم خطوة بخطوة، قبل الغوص في حسابات العواصم الكبرى المنخرطة في هذا الصراع الوجودي.

صدمة بعبدا الدبلوماسية

تمثلت الخطوة الأولى في القراءة السياسية للخطاب في التوقيت والسياق؛ إذ جاء كلام قاسم رداً مباشراً وصاعقاً على المسار الدبلوماسي الذي قاده رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ عبر السفراء في العاصمة الأميركية. بينما كانت الدولة اللبنانية تحاول تسويق "الإعلان الأميركي" كإنجاز واقعي يحمي ما تبقى من الكيان، سارع قاسم إلى نزع أيّ شرعية وطنيّة أو ميثاقيّة عن هذا المسار، واصفاً إياه بـ"المهزلة والإهانة"، وبأنه "مرفوض جملة وتفصيلًا من شرائح واسعة من الشعب اللبناني"، حسب تعبيره.

هذا التموضع يمثل خطوة أولى نحو إعلان "الفصام الكامل" بين منطق الدولة البراغماتي الذي يبحث عن مخرج تحت النار، ومنطق "حزب الله" الذي يرى في مخرجات واشنطن وثيقة استسلام ترسم معالم "خضوع لبنان لمشروع إسرائيل الكبرى".

وقد تعمّد أن يظهر قاسم إعادة تأصيل "الهوية الأيديولوجية والسياسية" للحزب في لبنان، رابطاً إياها بجذورها التاريخيّة الممتدة من فكر الإمام الخميني والإمام موسى الصدر وصولاً إلى إرث السيد ​حسن نصر الله​. هذا التأصيل لم يكن بروتوكولياً، بل كان رداً مباشراً على محاولات واشنطن اختزال الحزب في معادلة "الوكالة الإيرانية المحضة".

أراد قاسم إبلاغ الجميع أن "حزب الله" يتحرك خلف خلفية "إيمانية سيادية" ترفض العبودية، وأن تحالفاتها الداخلية عابرة للطوائف والمكونات. ومن خلال هذا الربط، أرسل الحزب إشارة حازمة بأنه لن يسمح لنتائج الحرب الحاليّة بأن تمحو إرث العقود الأربعة الماضية، أو أن تحوّل تضحيات بيئته إلى خسارة سياسية في غرف التفاوض الأميركية.

خطوط الردع الحمراء

وفي خطوة لا تقل أهميّة تظهّر بوضوح جوهر الخلاف العسكري والسيادي مع الطرح الرئاسي اللبناني؛ فالرئيس جوزاف عون تحدث عن "بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية حصراً" كمنطلق للحل الدائم، وهو ما فسّرته واشنطن صراحة بنزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته جنوب الليطاني. لكنّ رد قاسم جاء قاطعاً وحاسماً: "لا نقبل بأيّ ربط بين وجود الحزب، وبين وقف العدوان وانسحاب إسرائيل".

واعتبر الأمين العام أن جعل نزع السلاح شرطاً مسبقاً هو "إعدام لقوّة لبنان، وإعلان لتخريب استقراره وإحداث الفتنة الداخلية لمصلحة إسرائيل". من خلال هذا الموقف، يضع الحزب "فيتو" مسلّحاً فوق أيّ مسوّدة اتفاق تخرج من واشنطن، معلناً أن ما عجزت تل أبيب عن أخذه في الميدان عبر التدمير العشوائي، لن تناله بالسياسة عبر الضغط الدبلوماسي الأميركي.

المعادلة الإيرانية الموازية

وفي خطوة أخرى موازية وهي الأكثر خطورة على الصعيد الجيوسياسي، يبرز الربط العضوي الصريح الذي أعلنه قاسم بين جبهة لبنان والعمق الإيراني. عبارة "تثبيت وقف العدوان وإطلاق النار الشامل في لبنان كجزء من وقف العدوان على إيران" تكشف عن البنية الحقيقية للمفاوضات الكبرى الجارية في الكواليس.

فالحزب لم يعد يرى نفسه جبهة مساندة منفصلة، بل يضع الساحة اللبنانية كبند أصيل على طاولة المباحثات المباشرة بين ​طهران​ وواشنطن. هذا الاعتراف يمنح طهران ورقة تفاوضية هائلة، لكنه في الوقت نفسه يضع السلطة الرسمية اللبنانية في مأزق كبير؛ إذ يثبت أنّ قرار السلم والحرب وتفكيك العقد الميدانية في الجنوب مرتهن مباشرة بمآلات الصفقة الأميركية-الإيرانية الشاملة، وليس بقرارات بعبدا أو السراي الحكومي!.

رؤية واشنطن الحاسمة

في هذا السياق، تنظر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى خطاب نعيم قاسم كـ"محاولة تخريبيّة متعمدة" برعاية إيرانيّة واضحة، تهدف إلى فرملة الزخم الدبلوماسي الذي حققته واشنطن مع الدولة اللبنانيّة. في الحسابات الأميركيّة، يمثل "الإعلان المشترك" الذي صدر في واشنطن فرصة تاريخيّة لإعادة صياغة توازنات الشرق الأوسط وعزل أذرع إيران.

واشنطن ترى أن لغة الحزب التصعيديّة ورفضه المطلق للانسحاب من الجنوب تحت النار يعكسان "عدم جدّية" في التوصل إلى سلام حقيقي، ولذلك ستستخدم الإدارة الأميركية هذا الخطاب كذريعة لتشديد حصارها البحري والاقتصادي على طهران، مع منح الضوء الأخضر المستمر لتل أبيب لمواصلة الضغط العسكري، ظنًّا منها أنّ الإنهاك الميداني سيجبر طهران في النهاية على تقديم تنازلات تشمل سلاح حزب الله ضمن "الصفقة الكبرى".

حسابات طهران المعقدة

في المقابل، تتحرك ​الدبلوماسية الإيرانية​ حالياً بعقليّة "الفصل بين المسارات مع توحيد الأوراق". فطهران التي انخرطت في محادثات حاسمة مع واشنطن عبر قنوات إسلام آباد وبكين لإيقاف الحرب ورفع الخناق البحري عن ​مضيق هرمز​، تنظر إلى موقف الحزب المتصلب كـ"عنصر قوة لا غنى عنه".

وجهة النظر الإيرانية تقوم على مبدأ عدم تقديم أيّ تنازل مجاني لترامب؛ فإذا كانت واشنطن تريد فتح المضيق واستقرار أسواق النفط قبل انتخابات تشرين الثاني المقبل، فإنّ ثمن ذلك يجب أن يشمل وقفاً شاملاً للعدوان على لبنان وإيران كحزمة واحدة، دون المساس بالبنية العسكريّة للحزب. طهران تستخدم خطاب قاسم لإبلاغ المفاوض الأميركي بأن "حلفاءها على الأرض يمتلكون زمام المبادرة الميدانيّة"، وأن أيّ اتفاق يهمل شروط الحزب لن يكتب له النجاح على أرض الواقع.

خيار تل أبيب

في تل أبيب، يُقرأ خطاب الأمين العام لحزب الله كدليل قاطع على فشل عقيدة "التفاوض تحت النار" في تحقيق أهدافها السياسية الكبرى حتى الآن. حكومة بنيامين نتانياهو، التي تواجه تآكلاً داخلياً وأزمة استنزاف في جبهة الشمال، ترى في رفض قاسم لإخلاء جنوب الليطاني ونزع السلاح تأكيداً لـ"السردية اليمينيّة" التي تقول إن التسويات الدبلوماسية مع الدولة اللبنانيّة هي مجرد حبر على ورق لا يضمن أمن المستوطنات.

بالتالي، فإن تل أبيب ستتخذ من هذا الخطاب ركيزة أساسية لتصعيد عمليّاتها العسكريّة العشوائيّة، وزيادة وتيرة التدمير الممنهج للقرى والبلدات، ومحاولة اغتيال الكوادر السياسية والعسكرية، في محاولة يائسة لكسر "الحاضنة الشعبيّة" للحزب وإجبار القيادة العسكرية له على القبول بالانسحاب كأمر واقع تفرضه الجغرافيا المدمرة.

رعب بروكسل الوجودي

وأمام هذه التطورات يقف ​الاتحاد الأوروبي​ وهو يعيش حالة من الذعر الحقيقي جراء انسداد الأفق الدبلوماسي. بروكسل، التي تتابع بوجل تدهور الأوضاع الميدانية والاشتباك السياسي الداخلي بين بعبدا وثنائي حزب الله و​حركة أمل​، ترى في خطاب قاسم مؤشراً على حتميّة استمرار حرب الاستنزاف الطويلة.

وجهة النظر الأوروبية تتوجّس من أن يؤدّي انهيار مسار المفاوضات الأميركيّة إلى تدمير ما تبقى من هيكل الدولة اللبنانيّة، مما سيفجّر أزمة إنسانيّة هائلة وموجات هجرة غير مسبوقة نحو الشواطئ الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط. لذلك، ينتقد الاتحاد الأوروبي المقاربة الأميركيّة الإقصائيّة، ويضغط باتجاه صيغة معدّلة للقرار 1701 تضمن انتشار الجيش اللبناني دون الانزلاق نحو حرب أهليّة أو نزع سلاح قسري يؤدّي إلى تفجير الصيغة اللبنانيّة الهشّة من الداخل.

مآلات المشهد اللبناني

يقودنا هذا التشريح السياسي إلى استنتاج رئيسي وحيد: إن لبنان بات أسيراً لـ"حرب إرادات صفرية" تتجاوز قدرة مؤسّساته الرسميّة على الاحتواء. الخطاب الأخير للشيخ نعيم قاسم نسف عملياً الجسر الهشّ الّذي حاولت بعبدا مدّه نحو واشنطن، وثبّت معادلة أن لا صوت يعلو فوق صوت الميدان ما دام الاحتلال والعدوان مستمرين.

انعكاس المحادثات الأميركية-الإيرانية على الوضع اللبناني لن يكون سريعاً ولا ناعماً؛ فالفريقان الأصيلان (واشنطن وطهران) لا يزالان في مرحلة "عض الأصابع" وتبادل الرسائل الساخنة فوق الأجساد اللبنانيّة والقرى المدمّرة. وإلى أن تنضج ظروف "اتّفاق الضرورة" بين القوتين، يبدو أنّ جنوب لبنان سيبقى ساحة مشتعلة، حيث يصرّ الحزب على إثبات بأسه وشدته لفرض شروطه، وتواصل إسرائيل غيّها العسكري، بينما تترقّب بعبدا عاجزة، بانتظار تصاعد الدخان الأبيض من عواصم القرار الدولي لينقذ السفينة اللبنانية من الغرق المحتم.