لم تعد المنافسة في الشرق الأوسط تقتصر على امتلاك النفط والغاز، بل باتت تتمحور بصورة متزايدة حول السيطرة على الممرات التي تنقل الطاقة والبضائع بين القارات. فالموانئ وشبكات السكك الحديدية والطرق البرية تحوّلت إلى أدوات نفوذ جيوسياسي لا تقل أهمية عن الموارد الطبيعية ذاتها. ويبرز في هذا الإطار مشروعDevelopment Road الذي تقوده العراق بالتعاون مع تركيا بوصفه ممراً تجارياً واستراتيجياً جديداً يهدف إلى ربط الخليج بأوروبا عبر شبكة متطورة من الطرق والسكك الحديدية.
وبينما يبدو لبنان خارج المسار الرئيسي للمشروع في مرحلته الحالية، تطرح التحولات الإقليمية سؤالاً جوهرياً: هل يستطيع لبنان تحويل موقعه الجغرافي ومرافئه على البحر المتوسط إلى فرصة استراتيجية تعيده إلى قلب حركة التجارة والطاقة في المنطقة؟
خط الحجاز... والممرات الاستراتيجية
يستحضر الحديث عن الممرات البرية الجديدة سكةَ حديد الحجاز التي أنشأها السلطان عبد الحميد الثاني بين عامي 1900 و1908 لربط إسطنبول بدمشق ثم جنوباً بالمدينة المنورة، بهدف تسهيل نقل الحجاج وتعزيز السيطرة الإدارية والعسكرية للدولة العثمانية على ولاياتها العربية.
وقد امتد المسار الرئيسي للخط من إسطنبول مروراً بالأناضول ودمشق وعمّان ومعان وتبوك وصولاً إلى المدينة المنورة، غير أن أهميته لم تقتصر على ذلك، إذ ارتبط بخطوط فرعية أبرزها دمشق – بيروت ودمشق – حيفا، مما أتاح ربط مرافئ البحر المتوسط بالشبكة الحديدية العثمانية.
لماذا عاد الحديث عن الممرات اليوم؟
والاهتمام المتجدد بخط الحجاز لا يرتبط بإحيائه حرفياً، بل بكونه نموذجاً تاريخياً لفكرة الممرات الاستراتيجية التي تعود اليوم بأشكال جديدة. فالشرق الأوسط يشهد منافسة متسارعة بين مشاريع كبرى، أبرزها الممر الهندي- الشرق أوسطي -الأوروبي (IMEC)، ومشروع Development Road العراقي- التركي، إضافة إلى مشاريع خطوط النفط والغاز نحو المتوسط ومشاريع الربط السككي بين الخليج وتركيا وأوروبا.
وفي حال نجاح مشروع Development Road، قد يطرح مستقبلاً إنشاء وصلات فرعية نحو الساحل السوري أو اللبناني، ما قد يمنح لبنان دوراً لوجستياً جديداً في منظومة النقل الإقليمية.
كيف يمكن للبنان الاستفادة من المشروع؟
إذا نجح مشروع Development Road كما هو مخطط له، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى لبنان لا يتمثل في الانضمام إلى المسار الرئيسي، بل في كيفية الاستفادة منه رغم بقائه خارجه.
وثمة سيناريوهات محتملة عدة يمكن أن تمنح لبنان دوراً مكمّلاً للمشروع.
وتكمن الفرصة الأكبر للبلد في تطوير مرفأ طرابلس وتحويله إلى منصة لوجستية داعمة للمشروع.
ففي حال استقرار الأوضاع وعودة حركة النقل البري المنتظمة بين العراق وسوريا ولبنان، يمكن لمرفأ طرابلس أن يغدو محطة لوجستية رديفة للممر الجديد، خصوصاً للبضائع المتجهة نحو شرق المتوسط وشمال أفريقيا.
وفي هذه الحالة، يمكن للبنان الاستفادة من خدمات التخزين وإعادة التصدير، والمناطق الحرة، ومراكز التوزيع الإقليمية، إضافة إلى خدمات الشحن والتأمين والجمارك والصناعات الخفيفة المرتبطة بالنقل.
ربط الفاو بطرابلس عبر سوريا
وتضيف المصادر أن السيناريو الثاني يتمثل في إنشاء فرع غربي للمشروع يربط ميناء الفاو العراقي بالموصل وشرق سوريا وحمص وصولاً إلى طرابلس.
وتشير إلى أن هذه الفكرة تُناقش منذ عقود، إذ يمكن أن يشكل الساحل اللبناني منفذاً بحرياً أقرب لبعض المناطق العراقية والسورية من بعض المرافئ التركية، إلا أن تحقيق هذا السيناريو يبقى مرتبطاً بتوافر استقرار سياسي وأمني واسع النطاق في كل من سوريا والعراق.
عودة السكك الحديدية
ولعل من أبرز الأخطاء الاستراتيجية التي وقع فيها لبنان خلال العقود الماضية إهمال شبكة السكك الحديدية وتركها تتدهور.
وفي حال إحياء خطوط مثل طرابلس – حمص وبيروت – دمشق وربطها بالشبكات الإقليمية، يمكن للبنان أن يتحول إلى محطة نهائية للبضائع القادمة من الخليج والعراق، مستعيداً جزءاً من دوره التاريخي كمركز عبور وتجميع وتوزيع في شرق المتوسط.
الطاقة... فرصة إضافية للبنان
ولا تقتصر الفرص المحتملة على حركة البضائع، إذ إن استقراراً إقليمياً طويل الأمد قد يُعيد إلى الواجهة مشاريع أنابيب النفط العراقية نحو المتوسط وأنابيب الغاز الإقليمية ومشاريع الربط الكهربائي العربي.
وعندها يمكن أن يصبح الساحل اللبناني جزءاً من شبكة الطاقة الإقليمية، وليس مجرد محطة تجارية، ما يعيد إحياء الدور الذي لعبه لبنان خلال القرن الماضي عندما كان النفط العراقي يصل إلى البحر المتوسط عبر منشآت وخطوط مرتبطة بمرفأ طرابلس.
الفرصة والشروط الصعبة
والتحدي الأساسي يكمن في أن مشروع Development Road مصمم حالياً لربط العراق بتركيا مباشرة ومن ثم بأوروبا، ما يعني أن لبنان ليس جزءاً أساسياً من الخطة الحالية.
لذلك، يحتاج لبنان إلى تطوير مرفأ طرابلس، وإعادة تشغيل السكك الحديدية، وربط مرافئه بشبكات النقل الإقليمية، وإنشاء مناطق لوجستية وصناعية حديثة حول المرافئ، فضلاً عن توفير العنصر الأهم، وهو الاستقرار السياسي والأمني طويل الأمد.
لبنان بين الجغرافيا والفرصة
قد لا يكون لبنان جزءاً مباشراً من مشروع Development Road في مرحلته الحالية، إلا أن موقعه الجغرافي يمنحه فرصة للتحول إلى شريك لوجستي مكمل للممرات التجارية الجديدة إذا توفرت الإرادة السياسية والاستثمارات اللازمة. فإعادة تأهيل مرفأ طرابلس، وتطوير شبكة السكك الحديدية، وربط لبنان بمحيطه العربي، يمكن أن تعيد إليه بعضاً من الدور الذي لعبه تاريخياً كبوابة للشرق على المتوسط.
وفي وقت تُعاد فيه رسم خرائط التجارة والطاقة في الشرق الأوسط، لن يكون السؤال ما إذا كانت الممرات الجديدة ستمر عبر لبنان، بل ما إذا كان لبنان مستعداً لاستعادة موقعه الطبيعي على خريطة العبور الإقليمية قبل أن تفوته الفرصة مجدداً.