أياً كانت نتيجة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، فإن المنطقة لن تعود إلى واقع ما قبل الحرب. فالصراعات الكبرى لا تعيد فقط رسم موازين القوة، بل أيضاً طريقة إدراك الدول لمصادر الخطر ولحدود التحالفات. وفي هذا السياق، تواجه دول الخليج معادلة دقيقة: كيف تتعامل مع قوة إقليمية قريبة جغرافيًا، تمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، وأظهرت استعدادًا لاستخدامها، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاوزها أو عزلها عن معادلات أمن المنطقة؟
قد يدفع التصعيد العسكري البعض إلى توقع تقارب خليجي أكبر مع الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما مصدرين أساسيين للردع، إلا أن الحرب أظهرت حقيقة أكثر تعقيدًا: لا توجد مظلة أمنية قادرة على توفير حماية مطلقة، فحتى أقوى الجيوش وأنظمة الدفاع لا تستطيع ضمان منع الأضرار في مواجهة هجمات واسعة ومتعددة. لذلك، من المتوقع ألّا يقوم الأمن الخليجي في المرحلة المقبلة على القوة العسكرية وحدها، بل على الدمج بين الردع والدبلوماسية.انطلاقًا من هذا المبدأ، تعمد بعض الدول الخليجية إلى إبقاء باب الحوار مع إيران مفتوحًا، من زاوية أنّ التفاوض لا يعني تجاوز الخلافات أو استعادة الثقة، بل هو إدراك بأن إيران ستظل لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، وأن احتواء التوتر معها قد يكون أقل كلفة من ترك المنطقة رهينة جولات متكررة من التصعيد. فالدول لا تتحاور فقط مع من تتفق معهم، بل مع من تعتقد أنّ كلفة المواجهة معهم أكبر بكثير من كلفة التحدث.
لكن أي حوار خليجي–إيراني بعد الحرب سيكون مختلفًا عن المرحلة السابقة. فالمطلوب لن يكون مجرد تحسين العلاقات أو تبادل الرسائل السياسية، بل بناء قواعد تمنع تكرار المواجهة. وستكون الأولوية الخليجية على الأرجح مرتبطة بضمانات عملية: احترام السيادة، عدم استخدام القوة أو التهديد بها، وضبط أنماط النفوذ الإقليمي التي تعتبرها دول الخليج مصدر تهديد مباشر، في مقابل حصول إيران على ضمانات مماثلة لجهة عدم استخدام الأراضي الخليجية لتهديد أمنها. وبذلك قد تنتقل العلاقة من محاولة بناء الثقة إلى محاولة إدارة انعدام الثقة. وتزداد صعوبة هذه المهمة بسبب وجود بعد مذهبي لا يمكن تجاهله، فالخلاف السنّي–الشيعي ليس العامل الوحيد في التوتر، لكنه يضيف الكثير من الحساسية إلى الصراع السياسي والأمني. فهو يؤثر في كيفية تفسير كل فريق لسلوك الآخر، ويجعل بعض المخاوف مرتبطة بالهوية والانتماء بقدر ارتباطها بحسابات القوة والنفوذ.
في المقابل، فإن استمرار النظام الإيراني لا يعني بالضرورة بقاء العداء إلى ما لا نهاية، وإذا اختارت طهران في المرحلة المقبلة تخفيف التوتر مع جيرانها والتعامل بحدة أقل مع الدول الأخرى، فقد تفتح الباب أمام علاقة أكثر استقرارًا.
أما إسرائيل، فمن المرجح أن تواصل تعزيز حضورها الأمني لدى بعض دول الخليج مستفيدة من المخاوف المشتركة تجاه إيران ومن التسويق الأميركي "لاتفاقيات أبراهام"، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا الدفاعية والاستخبارات. لكنها لن تكون بديلاً عن إيران من حيث الموقع الجغرافي أو الدور الإقليمي، كما أن الاعتبارات السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية ستظل، إلى حدٍّ ما، تتحكم بطبيعة هذه العلاقة.
من منظار واقعي، لا يبدو أن مستقبل الخليج يتجه نحو تحالف دائم ضد إيران، ولا نحو مصالحة سريعة معها. السيناريو الأكثر واقعية هو مرحلة طويلة من التوازن الحذر: دول خليجية تعزز قدراتها الدفاعية وشراكاتها الأمنية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الاستقرار الدائم يتطلب علاقة قابلة للإدارة مع إيران. أما طهران، فستواجه خيارًا مهمًّا: إما أن تحافظ على نفوذها عبر سياسة الضغط والمواجهة، أو أن تعيد تعريف دورها الإقليمي على أساس علاقة أكثر قبولاً مع جيرانها. وهذا الخيار سيكون العامل الأهم في تحديد شكل الخليج خلال السنوات المقبلة.