هُمُ ثَلاثَةٌ مِنهُ هَذا الُلبنانُ، والإغتِرابُ مِنهُ في إٍستِهلالاتِه، فَكَرَّسوهُ!
في الأرضِ الَتي هوَ مِنها، وَفي السَماءِ الَتي هوَ مِنها وَلهَا، كَرَّسوهُ.
هُمُ ثَلاثَةٌ مِنهُ هَذا الُلبنانُ، وَفي الغُربَةِ كَونَّوهُ بوصَلَةَ تَجَذُّرٍ في فِكرِ الأرضِ كَما في عَقلِ السَماءِ.
المُتَغَرِّبُ الأوَّلُ: جُبرانُ خَليلُ جُبرانُ (1883-1931)، ذاكَ الدافِقُ هَديراً في العالَمِ لا يَنثَنيَ، المُطلَقُ الأسمى في الفَردِيَّةِ-السِرِّ لِلبنانَ-الأصلِ. بِذاكَ الإشتِعالِ-الَلهَبِ، صَرَخَ: "لُبناني... ﻛَﻠِﻤَﺔٌ ﻋُﻠﻮِﻳَّﺔٌ ﺗَﻬﻤِﺴُﻬﺎ اﻷرضُ في أُذُنِ اﻟﻔَﻀﺎءِ." أجَل! ما مِن أحَدٍ غَيرَهُ يَقولُها تِلكَ الكَلِمَةِ-لبنانَ، لِلبنانَ، لأجلِ العالَمِ. هوَ الوجودُ لَصيقُ فَرادَةِ النِعمَةِ، مِن ظُلمَةِ القَهرِ المُكَبِّلَ لبنانَ جَوراً، قالَها أن لا وَطَنَ تَحتَ الفَضاءِ يَبلُغُهُ، وَلا جُذورَ لِوَطَنٍ في الأرضِ تُماثِلُهُ. مِن الهَمسِ المُعينِ الى التَوكيدِ التَعيِّينِ، بِ 7 عِباراتِ إصرارٍ. قَلّ: قَرائِنَ، مَدخَلَ الأسرارِ الى جَوهَرِ السِرِّ. لا إلتِباسَ فيها، بَل تَجَوهُرُ الإنتِسابِ الواصِفِ نَفسَهُ بِنَفسِهِ مِنَ الحَقيقَةِ الأولى الى الحَقيقَةِ الأخيرَةِ. هوَذا لُبنانُهُ جُبرانُ، لا مَتاهاتٍ فيهِ، بَل تَسمِيَةُ الكَلِمَةِ بِهَوِيَّتِها، بِحُدودِها الثالوثِيَّةِ: "عُلوِيَّةٌ"/"أرضٌ"/"فَضاءٌ". ألُبنانُ في الحَقِّ تِلكَ الرَحابَةُ-الهَوِيَّتِيَّةُ الأوسَعُ مِنَ السَماواتِ، ألكَلِمَةُ-الأمرُ الَذي بِهِ تَكوينُ الأرضِ وَما خَلفَ خَلفَ السَماواتِ؟ أجَل! تِلكَ حَقيقَتُهُ.
المُتَغَرِّبُ الثانيُ: إيليّا أبو ماضي (1889-1957)، مَن فيهِ الشِعرُ تَبدَّى لا تَردُّداً بَل تَسمِيَةً، لا قَلَقاً بَل تِوكيداً، لا تَرَدُّداً بَل ثَباتاً في فِعلِ البُرهانِ-الدَليلِ. جَزماً هَوِيَّاتِيَّاً. هَكَذا أعلاهُ لبنانَ، بَينَ القِمَمِ، قِمَّةَ الَلحظَةِ النازِلَةِ مِن الفَوقِ. مِنَ القُدسيِّ الى القُدسيِّ، وَفيهِ وَبِهِ، ذاتِيَّةُ فَردانِيَّةِ الخَلقِ في لَحظَتِها... لِأجلِ غِلالِ الخَمرِ المُفدي:
"لبنانُ يا خَمرَةَ الرَبِّ التي سُكِبَتْ
في الكأسِ مِن عَصرِ نوحٍ يَومَ قَد عَطَشَا
والكَرمُ أنتَ فَما إنفكَّتْ تُعَلِّلُنا
مِن قَبلِ أن يَعرِفَ التاريخُ مُقتَبَسَا."
أجَل! لبنانُ سَكبُ المَلأِ الأعلى لِغَلَبَةِ الطوفانِ. لِلحَياةِ-الأبَدِ. تِلكَ حَقيقَتُهُ.
المُتَغَرِّبُ الثالِثُ: ميخائيلُ نُعيمِه (1889-1988)، مَن كَلِمَتُهُ تُقرأ فَتُصَدَّقُ وَتُصَدَّقُ فَتُقرأُ، في ذاكَ الكَمالُ الَذي يَبلُغُهُ الصِدقُ مُجَسَّداً في هَوِيَّةٍ هيَ مَقصِدُ الخَلقِ لِلعَقلِ بِالقَلبِ، بِحَقيقَةِ الحَقِّ، حَيثُ الكيانِيَّةُ قَولٌ وَفِعلٌ، وَقتٌ مُستَقِلٌّ لِأجلِ الخُصوصِيَّةِ الكَونِيَّةِ. في ذَلِكَ، وَمِنهُ وَلَهُ، إعتِرافُهُ: "لبنانُ لَيسَ وَطَناً أسكُنُهُ، بَل وَطَنٌ يَسكُنُني." ألُبنانُ، الواقِعُ النَوالُ، مُحِرّكُ العالَمِ، إذ هوَ الكَينونَةُ والمَصيرُ، الوجودُ والمَكنونِيَّةُ، الكَينونَةُ وَتَكامُلُ الكَمالِ، بَينَ الأرضِ والسَماءِ؟ "المَهدُ الَذي تَعَلَّمتُ فيهِ أن أسمَعَ صَوتَ الأرضِ والسَماءِ"؟ قالَها هوَ. أجَل! تِلكَ حَقيقَتُهُ.
إستِجلاءُ الكِيانِيَّةِ
هيَ ثالوثِيَّةُ غُربَةِ-تَغَرُّبٍ ‒أفعَلُ مِن بَقاءِ باقينَ‒ كَرَّسَتها أقلامُ ثَلاثَةٍ حَقَّقوا لبنانَ، فَكانَ في حَجِّ تَحقيقِهِمِ دَفقَ اليَقينِ المُكمِلِ الكَمالَ بِإكتمِالِ إتِّحادِ السَماوِ-أرضيٍّ في الكَونيِّ.
أفيها إستِجلاءُ الكِيانِيَّةِ بَينَ التَوكيدِ وَبَذلِ التَحابِّ حَدَّ التَجَوهُرِ، بِوَجهِ هَوَسِ التَشكيكِ وَخِسَّةِ الصَغائِرَ وَتَضارُبِ إنحِطاطِ التَحاذُفِ؟
قُلتُ: إستِجلاءُ الكِيانِيَّةِ؟
قُلّ: تَميِّيزُ المُزمَعِ المُنوَجِدِ في الفائِقِ حَيثُ الكُلِيَّةُ، بَالقَدرِ عَينِهِ نُطقٌ لِلانِهائيِّ في اللامَحصورِ، إذ العالَمُ إستِنباتُ حَصرِيَّاتٍ لا هَوِيَّةَ لَها وَلا مآلَ إلَيهِ تَستَوي.
قُلّ أكثَرُ: لبنانُ، غَريبُ-تَغَرُّبِ هَذا العالَمِ عَن ذاتِيَّتِهِ، كُلِيَّةُ إبتِداعٍ لِعالَمٍ جَديدٍ أرضو-فَضائِيٍّ. لامُتَناهِيَةُ فَرادَةِ الكَينونَةِ، مِن ما قَبلَ قَبلَها الى ما بَعدَ بَعدَ الخَلقِ. هُناكَ، حَيثُ الخالِقُ وَحدَهُ أشعَرُ الشُعَراءِ. وَحدَهُ يَستَقبِلَهُ، هَذا الُلبنانُ، لِيَكونَهُ... بِهِ.





















































