تطرح الجولة الخامسة من مفاوضات واشنطن حول الجنوب سؤالًا يتجاوز ما يمكن أن يصدر عنها من تفاهمات تقنية أو ترتيبات ميدانية، ليطال موقع "حزب الله" نفسه في معادلة الجنوب. فالحزب الغائب عن الطاولة نظريًا حاضر في معظم بنودها فعليًا، إذ إنّ كل ما يُطرَح عليها من نقاط يمسّ مباشرة موقعه ودوره، ما يعني أنّ نجاح المفاوضات أو تعثّرها لا يمكن أن يُقرأ من دون الوقوف عند موقفه.
في الظاهر، يبدو موقف الحزب واضحًا وحاسمًا، فهو يرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، كما يرفض البحث في السلاح تحت الضغط، ويعلن سلفًا أنّه لن يقبل بأي صيغة تبدأ من التزامات لبنانية قبل وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي. هذا هو الخطاب الذي يتبنّاه قادة الحزب، والذي يضع أي مسار تفاوضي تحت سقف محدد: الأولوية لوقف العدوان، لا لمنح إسرائيل بالسياسة ما لم تحصل عليه بالحرب.
لكنّ المشهد لا يقف عند حدود الخطاب العلني. فالمفاوضات الجارية في واشنطن لم تعد تبحث في عناوين عامة يمكن للحزب التعامل معها من بعيد، إنما في ترتيبات تنفيذية تمسّ مباشرة البيئة التي يتحرك فيها، من انتشار الجيش، إلى المناطق التجريبية، وآليات المراقبة، وحصرية السيطرة الأمنية، وحدود الحركة في القرى الحدودية. بهذا المعنى، لا يستطيع "حزب الله" أن يتعامل مع المسار كأنه لا يعنيه، حتى لو كان يرفض أن يكون فريقًا معلنًا فيه.
هنا تظهر مفارقة لا يجوز القفز فوقها، فالحزب يرفض التفاوض المباشر، لكنه لا يستطيع ترك التفاوض يمضي من دون محاولة التأثير في سقفه ونتائجه. هو لا يريد أن يظهر شريكًا في مسار ترعاه واشنطن ويبحث في ترتيبات قد تطال سلاحه أو انتشاره، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن أي صيغة تُنتج في غيابه الكامل قد تصبح أمرًا واقعًا يصعب تعديله لاحقًا. فكيف يبقى الحزب خارج الطاولة، ويؤثّر فيها في الوقت نفسه؟
ما الذي يعلنه الحزب
في خطابه العلني، يقدّم "حزب الله" نفسه بوصفه الفريق الذي يمنع تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية لإسرائيل. لذلك، ينطلق رفضه للتفاوض المباشر من اعتبارات تتصل بالسردية التي حكمت حضوره منذ عقود: إسرائيل عدو، وسلاح المقاومة ليس بندًا تفاوضيًا، وأي نقاش حول ترتيبات الجنوب يجب أن يبدأ بإزالة الاحتلال ووقف الاعتداءات، لا بطلب ضمانات من الفريق اللبناني وحده.
هذه المقاربة لا تعني أن الحزب يرفض أي تسوية من حيث المبدأ، لكنها تعني أنه يرفض الشكل الذي يجعله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في موقع من يقدّم تعهدات تحت النار. بالنسبة إليه، القبول بمسار يضع السلاح في صدارة البحث قبل الانسحاب الإسرائيلي يعني قلب المعادلة: بدل أن تكون المفاوضات وسيلة لإنهاء الاحتلال، تصبح أداة لإعادة ترتيب ميزان القوى الداخلي تحت ضغط الخارج.
لذلك يحرص الحزب على التمييز بين وقف النار كضرورة، والتفاوض السياسي المباشر كخيار مرفوض. فهو معني بوقف الاعتداءات، ومعني بعودة النازحين إلى قراهم، ومعني بإزالة الاحتلال الإسرائيلي من النقاط التي لا تزال قائمة في الجنوب. لكنه لا يريد أن يحصل ذلك ضمن صيغة تظهر وكأنها اعتراف بأن المشكلة في سلاحه وحده، أو أن الجنوب لا يستقر إلا إذا أعيد تشكيله أمنيًا وفق التصور الأميركي والإسرائيلي.
يشدّد العارفون بأدبيّات "حزب الله" على أنّ هذا الخطاب لا يتوخى التعطيل، بقدر ما يعكس قراءة الحزب لنفسه ولحدود ما يستطيع تقديمه. فالحزب يرى أن أي تفاوض في ظل ضغط إسرائيلي متواصل قد يتحول إلى تنازل مُقنَّع لا إلى تسوية، وأن التسليم بمنطق "المناطق التجريبية" يعني الموافقة على إعادة رسم قواعد الحركة في مناطق ظل فيها يعمل لعقود. من هذه الزاوية، يُفهَم الرفض كإطار لحماية سقف لا يريد الحزب خفضه مهما تغيّرت الأدوات التفاوضية.
ما الذي يفعله من خارج الطاولة؟
بمعزل عن التفسيرات والقراءات المتباينة للخطاب، فإنّه وحده لا يفسّر الصورة كاملة. فالمفاوضات في جولتها الخامسة لم تعد تناقش بيانات سياسية عامة، بل تتمحور حول ترتيبات تنفيذية ميدانية تمسّ مباشرة جغرافيا الحزب في الجنوب: من يملأ الأرض بعد أي انسحاب إسرائيلي؟ كيف ينتشر الجيش؟ من يراقب؟ ما حدود الحركة؟ وأي دور يبقى للأطراف غير الحكومية في منطقة يفترض أن تخضع لسلطة الدولة وحدها؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تمر من دون أن يكون للحزب رأي فيها، لأن نتائجها ستحدد قواعد العمل في منطقة كانت، طوال سنوات، جزءًا من معادلته الأمنية والسياسية. من هنا، لا يبدو مستغربًا أن يُحكى عن تنسيق غير مباشر، وعن اجتماعات سياسية بين حركة أمل و"حزب الله" لبحث تفاصيل المقترحات الأميركية، حتى لو أنّ بعض القراءات وضعت ذلك في خانة ازدواجية في المعايير، باعتبار أن الحزب يقبل في القنوات المغلقة ما يرفضه علنًا.
لكنّ هذا الرأي يصطدم بوجهة نظر أخرى، لا تضع هذه الاجتماعات، إذا صحّت المعلومات بشأنها، في خانة التحوّل في موقف الحزب، لأنها على النقيض، تعكس برأي أصحابها حرص "حزب الله" على ألا تُصاغ ترتيبات تخصه من دون أن يكون له تأثير في سقفها وتفاصيلها، والفارق بين الأمرين جوهري: الرفض العلني يحمي الخطاب، والتواصل غير المباشر يحمي المصالح.
هنا يصبح دور رئيس مجلس النواب نبيه بري أكثر من وساطة تقنية. فبري يوفر للحزب قناةً لا تضطره إلى كسر خطابه الرسمي، ويوفر للدولة اللبنانية غطاءً داخليًا لا يمكن تجاهله، ويوفر لواشنطن عنوانًا لبنانيًا يُتيح التفاوض من دون أن يبدو أن الدولة تتفاوض بمعزل عن الثقل الشيعي المؤثر. بيد أن هذا الدور له حدود واضحة: بري يستطيع حمل الرسائل وتليين الزوايا، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج قرار استراتيجي يتجاوز ما يستطيع الحزب ابتلاعه داخليًا.
لماذا تظهر هذه المفارقة الآن؟
ما يجعل المشهد الراهن مختلفًا هو التحوّل في البيئة الإقليمية التي يتحرك فيها الحزب. فبعد الحرب المفتوحة التي أثّرت عميقًا في قدراته، وبعد التفاهم الأميركي-الإيراني الذي جعل لبنان بندًا صريحًا في هندسة تهدئة إقليمية أوسع، لم يعد الحزب في وضع يتيح له رفض كل المسارات من دون كلفة، علمًا أنّ الشريك الإيراني نفسه بات فريقًا في تفاهم يتضمن ترتيبات للجبهة اللبنانية، وهو ما يجعل الرفض المطلق خيارًا صعبًا حتى من داخل محور الحزب.
في الوقت نفسه، لا يستطيع الحزب القبول العلني بتسوية تُظهره وكأنه انتقل من موقع من يُحدد إيقاع الجبهة إلى موقع من يتكيّف مع شروط تُصاغ في واشنطن. فالسردية التأسيسية للحزب، القائمة على المقاومة والردع والسلاح بوصفه ضمانة لا عبئًا، ليست ورقة مواقف قابلة للطي، بل هي جزء من هويته ومصدر شرعيته الداخلية. لذلك تتحول المعادلة إلى إدارة تناقض دقيق بين الخطاب والحسابات: في الخطاب، يرفع سقف الرفض ويحصّن السلاح سياسيًا، وفي الحسابات، يترك قنوات التأثير مفتوحة كي لا يتحول مسار واشنطن إلى مسار يقرر عنه من دون مشاركته.
هذا ليس تناقضًا بالمعنى الأخلاقي، بل تعبير عن تكيّف سياسي تحكمه ضرورات المرحلة، فالحزب لا يقف أمام خيار بسيط بين قبول ورفض، بل يجد نفسه أمام اختبار أعمق: كيف يتكيف مع مسار تفاوضي لا يريد الظهور داخله، لكنه لا يستطيع البقاء خارجه بالكامل؟ وكيف يحافظ على سرديته التأسيسية، في وقت تتحرك فيه الدولة اللبنانية وواشنطن وطهران وإسرائيل ضمن معادلة أوسع من قدرة أي فريقٍ محلي على ضبطها وحده؟
في النهاية، ستكشف الجولة الخامسة وما يليها حجم الهامش المتاح لهذه المعادلة. فإذا استطاع بري أن يحمل ما لا يستطيع الحزب إعلانه، وإذا تمكنت واشنطن من إلزام إسرائيل بخطوات ملموسة، وإذا وجد الحزب صيغة تحفظ له سرديته السياسية من دون تعطيل عودة الدولة إلى الجنوب، فقد يفتح مسار واشنطن بابًا مختلفًا. أما إذا بقيت الفجوة واسعة بين خطاب الرفض ومتطلبات التنفيذ، فإنّ المفاوضات قد تتحول إلى ساحة جديدة لإدارة التناقضات اللبنانية، لا إلى طريق واضح نحو تسوية دائمة.