بدلاً من أن تنطلق الحكومة اللبنانية من إصلاح الهدر ومكافحة التهرب الضريبي وإعادة هيكلة الإنفاق العام، يبدو أنها اختارت الطريق الأسهل: جيب المواطن. فكلما اشتدت الأزمة المالية وازدادت حاجة الدولة إلى الإيرادات، عادت الضرائب والرسوم لتكون الخيار الأول، في سياسة لا تُفرّق بين القادر على التحمّل وغير القادر، ولا تأخذ بعين الاعتبار الانكماش الاقتصادي وتآكل القدرة الشرائية. واليوم، مع المرسوم الجديد الذي يفرض رسوماً إضافية على شريحة واسعة من السلع المستوردة، يجد اللبناني نفسه أمام موجة جديدة من الغلاء، فيما تلجأ الحكومة إلى تمويل خزينتها بتحميل المواطنين كلفة فشلها الإصلاحي، عوضاً عن معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة.
وفي هذا الإطار، صدر في الجريدة الرسمية المرسوم رقم 3214 المتعلق بتعديل الرسوم البيئية على المواد المنتجة للنفايات. ويستند المرسوم، بحسب أسبابه الموجبة، إلى مبدأ "الملوِّث يدفع" المنصوص عليه في قانون حماية البيئة، القائم على تحميل المنتج أو المستورد جزءاً من كلفة إدارة النفايات الناتجة عن منتجاته، بهدف تغطية جزء من النفقات التي تتحملها الدولة في هذا الشأن. كما يُشير إلى أن هذا التعديل يأتي استناداً إلى الصلاحيات التي منحها القانون لمجلس الوزراء لتعديل الرسوم أو إخضاع منتجات أخرى لها عند الاقتضاء.
غير أن هذا التبرير لا يُبدد المخاوف المُثارة محلياً، إذ تؤكد مصادر اقتصادية لـ"النشرة" أن تطبيق هذا المبدأ في لبنان يختلف جذرياً عمّا هو معمول به في الدول الصناعية، لأن أكثر من 80 في المئة من السلع المتداولة في الأسواق اللبنانية مستوردة. وهذا يعني أن الرسوم الجديدة لن يتحملها المنتج أو المستورد في نهاية المطاف، بل ستنتقل مباشرة إلى المستهلك عبر ارتفاع الأسعار، لتتحول عملياً إلى زيادة غير مباشرة في كلفة المعيشة، أشبه برفع ضريبة القيمة المضافة من دون الإعلان عنه.
وتُضيف المصادر أن الحكومة، التي منحها مجلس النواب صلاحيات تعديل الرسوم الجمركية بموجب قانون الموازنة، تلجأ اليوم إلى توظيف هذه الصلاحيات لرفع إيراداتها في ظل الأزمة المالية الخانقة. وتعتبر المصادر أن حاجة الدولة إلى موارد مالية أمر مفهوم، إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه الموارد تُحصَّل على حساب المواطنين في وقت تتآكل فيه قدرتهم الشرائية ويستمر الركود الاقتصادي، مما يجعل التداعيات المعيشية لهذا المرسوم بالغة الأثر.
وفي قراءته لتداعيات القرار، يُلفت الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن سعر برميل النفط تراجع من نحو 110 دولارات إلى نحو 74 دولاراً، وكان ينبغي أن ينعكس ذلك انخفاضاً في أسعار كثير من السلع. غير أن المخاوف تتمحور حول احتمال أن يتخذ بعض التجار من الرسوم الجديدة ذريعةً لرفع الأسعار، علماً بأن أثر تراجع أسعار النفط يفوق بكثير أثر الرسوم التي فرضها المرسوم. ويؤكد عجاقة أنه لا يمكن حتى الآن تحديد حجم الإيرادات التي ستُحققها الدولة من "رسومها"، لا سيما في ظل اتساع اقتصاد "الكاش" وتفاقم التهرب الضريبي، مما قد يحول دون بلوغ الإيرادات المتوقعة.
ويتضمن المرسوم زيادات متفاوتة على الرسوم البيئية، تبدأ بنسبة واحد في المئة على عدد من السلع الأساسية، بينها الحيوانات الحية واللحوم والألبان والحبوب ومنتجات المطاحن والأدوية، وترتفع إلى واحد ونصف في المئة على المشروبات والتبغ والأخشاب والورق والمنسوجات والآلات، فيما تبلغ اثنين في المئة على الوقود والزيوت المعدنية والبلاستيك وعدد من المواد الكيميائية، وتصل إلى ثلاثة في المئة على بعض المواد الكيميائية المتخصصة ومستحضرات الصباغة وفئات أخرى من المنتجات.
وبحسب المصادر، تتوقع الحكومة أن يُدرّ هذا المرسوم إيرادات قد تصل إلى نحو 380 مليون دولار، إلا أن هذه التقديرات تبدو متفائلة في رأي المصادر ذاتها، في ظل اتساع الاقتصاد غير المنظم واعتماد جزء كبير من التعاملات التجارية على الدفع النقدي، مما يُقيّد قدرة الدولة على تحصيل كامل الإيرادات المرجوّة.
في المقابل، يرى نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني البحصلي أن انعكاس الرسوم على أسعار السلع الغذائية لن يتخطى 2 إلى 3 في المئة. بيد أن المصادر الاقتصادية تُقدّر أن الزيادات الفعلية قد تكون أكبر إن استغل بعض التجار القرار لرفع الأسعار بنسب تفوق الكلفة الحقيقية، وتطالب هذه المصادر وزارة الاقتصاد بتشديد الرقابة على الأسواق ووضع هوامش ربح واضحة، لا سيما على المواد الأساسية، حدّاً لأي توظيف انتهازي للقرار على حساب المواطنين.
وفي حين تؤكد الحكومة أن الهدف من الرسوم الجديدة هو تكريس مبدأ بيئي وتأمين موارد لتغطية كلفة إدارة النفايات، يرى منتقدو القرار أن المشكلة لا تكمن في المبدأ في حد ذاته، بل في آلية تطبيقه داخل اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد، مما يجعل المواطن الطرف الذي يدفع الثمن في نهاية المطاف. وبين حاجة الدولة إلى تعزيز إيراداتها وحق اللبنانيين في سياسة ضريبية عادلة، يظل التساؤل قائماً: هل يمكن معالجة الأزمة المالية بفرض المزيد من الرسوم، أم أن الأمر يستوجب أولاً إصلاحات حقيقية تطال الهدر والتهرب الضريبي وترشيد الإنفاق العام، قبل إلقاء أعباء مالية جديدة على كاهل المواطنين؟






















































