لا يزال اتفاق الإطار الموقع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل يفرض نفسه على الداخل اللبناني، بسبب ما تضمنه من بنود توصف بأنها غير مسبوقة في طبيعة العلاقة بين الفريقين، ولأن تداعياته بدأت تعيد رسم خريطة الاصطفافات السياسية اللبنانية بصورة مختلفة عن الانقسامات التقليدية التي حكمت الحياة السياسية خلال الأشهر الماضية.
في مقابل اندفاعة جزء من السلطة للدفاع عن الاتفاق بوصفه مدخلاً لإنهاء الحرب وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار، بدأت تتشكل تدريجياً جبهة سياسية معارضة ترى أن ما جرى يتجاوز مجرد تفاهم أمني ويصل إلى مستوى تقديم تنازلات تمس ثوابت لطالما شكلت جزءاً من الموقف اللبناني الرسمي.
وبحسب مصادر سياسية متابعة، فإن رئيس مجلس النواب نبيه بري كان من أوائل الذين فوجئوا بحجم ما وافق عليه لبنان خلال المفاوضات، إذ اعتبر أن البنود تجاوزت السقف الذي كان مطروحاً خلال مختلف مراحل التفاوض السابقة. إلا أن هذا الاعتراض لم يترجم بمواقف شعبوية أو تصعيد إعلامي، بل اختار بري اعتماد مقاربة مختلفة تقوم على احتواء التوتر الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى مزيد من الانقسام.
وتؤكد المصادر عبر "النشرة" أن رئيس مجلس النواب شدد في تعليماته لمسؤولي حركة امل وخلال كل لقاءاته على ضرورة الابتعاد عن لغة الشارع وعدم تحويل الاعتراض على الاتفاق إلى مواجهة داخلية، انطلاقاً من قناعته بأن أي تعبئة مذهبية ستصب في مصلحة الجهات التي تريد تكريس الانقسام اللبناني، كما أنه يرفض وضع الشارع في مواجهة مباشرة مع الحكومة وبالتالي مع الشارع السني، لاعتبارات تتعلق بالحفاظ على الاستقرار الداخلي.
وترى المصادر أن رئيس المجلس يدرك جيداً أن البيئة السنية ليست موحدة خلف الاتفاق، بل تضم شخصيات وقوى سياسية ودينية تعتبر أن ما جرى يحمل تنازلات كبيرة وغير مقبولة، حتى وإن اختلفت مع حزب الله في ملفات أخرى. لذلك، فإن الرهان بالنسبة إليه يقوم على بناء معارضة سياسية وطنية عابرة للطوائف، لا على تحويل الملف إلى اشتباك مذهبي أو طائفي.
وتشير المصادر إلى أن ملامح هذه الجبهة بدأت تظهر بالفعل من خلال مواقف وبيانات صدرت عن شخصيات وأحزاب متعددة، بعضها كان يصنف سابقاً في مواقع متباعدة سياسياً، لكنها وجدت نفسها اليوم تلتقي عند رفض طبيعة التنازلات التي تضمنها الاتفاق، وإن اختلفت في الأسباب والخلفيات.
وبحسب المصادر، فإن قراءة المشهد السياسي تظهر أن أكثرية القوى اللبنانية ليست مرتاحة لما جرى، إلا أن اختلافها لا يعني الاتفاق حول العنوان نفسه. فهناك من يعترض على ما ورد ولا مشكلة لديه بمسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل، وهناك من يعتبر أن الإشكالية تكمن في الاعتراف الضمني أو الصريح الذي يمكن أن يستنتج من بعض البنود، فيما تركز قوى أخرى على ملف السيادة أو على انعكاسات الاتفاق على قضية سلاح المقاومة.
لكن المصادر تؤكد أن النقطة المشتركة بين غالبية المعترضين تتمثل في الاعتقاد بأن لبنان قدم تنازلات أكبر بكثير مما حصل عليه في المقابل، وأن المشكلة الأساس ليست في شكل التفاوض، بل في مضمونه والنتائج التي انتهى إليها.
وفي المقابل، لا تزال القوى المؤيدة للاتفاق تدافع عنه باعتباره الخيار الوحيد الذي كان متاحاً في ظل موازين القوى القائمة، معتبرة أن الأولوية كانت لوقف الحرب وإعادة الاستقرار وفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الدعم الدولي، وأن أي مقاربة أخرى كانت ستقود إلى استمرار المواجهة العسكرية بكلفة أكبر على لبنان.
وترى المصادر أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة مواجهة سياسية وقانونية داخل المؤسسات الدستورية وسيكون للعرب نصيب من مساعي بري، حيث ستسعى القوى المعترضة إلى تفكيك بنود الاتفاق وإبراز تداعياتها السياسية والقانونية، مقابل محاولة المؤيدين تثبيته باعتباره أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه.
وتضيف المصادر أن بري يعمل على إدارة هذه المرحلة، وهو يفضل جمع القوى الرافضة تحت سقف سياسي وطني واسع، بعيداً عن الشعارات الانفعالية، لإبقاء الاعتراض في إطاره السياسي والدستوري وعدم السماح بتحويله إلى صراع داخلي يهدد السلم الأهلي.
وتخلص المصادر إلى أن المعركة الحقيقية تدور حول كيفية التعامل مع نتائج الاتفاق في الداخل اللبناني، وما إذا كانت القوى الرافضة ستنجح في تشكيل أكثرية سياسية قادرة على فرض تعديلات في المرحلة المقبلة، أو على الأقل منع تكريس واقع سياسي جديد تعتبر أنه قام على تنازلات لا تعكس الإجماع الوطني، فيما تبدو البلاد مقبلة على مرحلة سياسية مختلفة ستعيد رسم التحالفات والانقسامات وفق معايير جديدة عنوانها الموقف من اتفاق واشنطن أكثر مما هو الانقسام التقليدي بين فريقي الثامن والرابع عشر من آذار، مع الإشارة الى ان هناك من سيسعى لاخراج الصراع من الدائرة السياسية ونقله لمستويات خطيرة وهذا ما لا يجب ان يخرج من خانة الاحتمالات الممكنة.























































