أشارت رئيسة "الجمعيّة اللّبنانيّة للحفاظ على صور" مها الخليل الشلبي، خلال لقاء إعلامي في المدينة، إلى أنّه "الجنوب... محور اهتمام العالَم المتحضِّر حِيال ما يجري فيه من ظلم قهر ودمار، هو الّذي استقطب أقلام كبار الشّعراء والمؤرِّخين، لِما فيه من كنوز حضاريّة وتاريخيّة وسياحيّة نادرة".
وشدّدت على أنّ "صور لم تكن يومًا مجرّد مدينة، بل كانت منذ فجر التاريخ، منارةَ حضارة، رسالةَ سلام، وجسرًا مشعًّا بين الشّرق والغرب. لم تكن صور يومًا مُلكًا للبنان وحده، وليست موقعًا أثريًّا على قائمة التراث العالمي. إنّها مرآةٌ ساطعةٌ من ذاكرة الإنسانيّة، وعلى الجبين الأبرز من تراث شعوب العالم".
ولفتت الشّلبي إلى "أنّني أقف اليوم أمامكم، وفي قلبي ألَمٌ بالغ الجرح، بعدما جلتُ في أحياء المدينة وعاينتُ دمارًا مرعبًا، ومنازل انهارت ركامًا، وأحياء فقدت ملامحها، وآثارًا مهدَّدةً بالخطر. وكل هذا اعتداءٌ على ذاكرة الإنسانيّة الحيّة".
وذكّرت بأنّه "قبل اثنين وأربعين عامًا، خلال الحرب الأولى على لبنان، نجحت "الجمعيّة الدّوليّة للحفاظ على صور" في إدراج صور على قائمة التراث العالمي، ما كان يومها انتصارًا للبنان والإنسانيّة. فسنة 1984، صادقت لجنة التراث العالمي بقرار رسمي على ترسيم حدود صور التاريخيّة والأثريّة، كما يلي: "من الصرفند شمالًا إلى رأس العين جنوبًا، ومن التلال الشرقيّة إلى البحر غربًا، فشعَّت آثار تحضن الكثير من أسرار الحضارة".
وبيّنت أنّ "مع السّنوات اللّاحقة تقلّصت الحماية، فاقتصرت صفة "التراث العالمي" على المواقع المكتشَفة فقط، وظلَّت مساحات واسعة من المحيط الأثري عرضة للانتهاكات، وها هي اليوم معرَّضةٌ للأخطار والدّمار".
كما أكّدت الشّلبي أنّ "حيال هذا الواقع المؤلم، وبعد الّذي وَقع في المدينة من فواجع، لا نكتفيَنَّ بتوصيف الكارثة. فلْنقِف أمام مسؤوليّة تاريخيّة بتوحيد جهود أبناء منطقة صور، مدينة الأبجديّة والبحر والانفتاح، ولْنَرفَع نداءً عاجلًا إلى الأمم المتحدة ومنظّمة "اليونسكو" والدّول الأعضاء في لجنة التراث العالمي، وكلّ مؤسّسة دوليّة مَعنيّة بحماية التراث الإنساني، ولْنُطلِق نداءَنا عاليًا إلى أعضاء "لجنة التراث العالمي" الّتي ستنعقد نهار 19 تموز في كوريا الجنوبية، ولنطلُب بإلحاح شديد:
- إدراج مدينة صور على قائمة التراث العالمي المهدَّد بالخطر والزّوال.
- إعادة اعتماد المحيط الأثري للموقع، كما كانت لجنة التراث العالمي قد أقرّته عام 1984.
- تفعيل حملة الأونيسكو لإنقاذ صور وجوارها، كما أُطلقت عام 1996 ثمّ أوقفت.
- تأمين بعثة دوليّة متخصّصة لتقييم الأضرار، ووضع خطة طوارئ سريعة وشاملة.
- توفير الدّعم العلمي والتقني والمالي اللّازم لإعادة تأهيل المدينة وصون تراثها الثّقافي".
وأضافت: "توازيًا مع كلّ ذلك، نطلق النّداء إلى جميع اللّبنانيّين مقيمين ومغتربين، إلى الجامعات والباحثين والجمعيّات الثّقافيّة وجميع أصدقاء لبنان في العالم: إنّ الحفاظ على صور ليس مسؤوليّة الدّولة وحدها، بل مسؤوليّة وطن بأكمله، وأكثر بعد: مسؤوليّة الأسرة الإنسانيّة جمعاء".
ودعت إلى أن "نرفع جميعنا صوتًا واحدًا دفاعًا عن مدينة أعطت العالم الأبجديّة، وإسم قارة أوروبا، وعلَّمت عدّة فنون، وأسهمت في صناعة تاريخ البشريّة، وعلَّمتنا أنّ الحضارات تُبنى بالحوار، وأنّ المدن العظيمة تنتصر بالثّقافة لا بالحروب".
إلى ذلك، أوضحت الشّلبي أنّ "رسالتنا اليوم ليست رسالةَ مواجِهَة بل رسالة سلام. فنحن لا نطلب امتيازًا لمدينة صور، بل نطالب بتطبيق القوانين الدّوليّة الّتي تعهّد بها المجتمع الدولي ومن ضمنه إسرائيل، لكنّها لم تحترم يومًا هذه المواثيق"، مشيرةً إلى "أنّنا لذا نرفع الصوت إلى كلّ العالَم، أن يبقى هذا التراث ملكًا للأجيال المقبلة، فلا يقع ضحيّة النّسيان أو الحروب".
وركّزت على أنّ "يقيننا الوطني والتاريخي هو التالي: إذا خسر العالم مدينة صور، لن يخسر لبنان مدينةً منه فقط، بل ستخسر الإنسانيّة ركنًا حضاريًّا لا مثيل لقيمته في تاريخ الحضارة. فنحن اليوم لا ندافع عن حجارة صامتة، بل عن ذاكرة ناطقة، عن رسالة حضاريّة عمرها آلاف السّنين، وعن حق الأجيال المقبلة في أن تعرف صور كما عرفها التاريخ: مدينة للحضارة، مدينة للسّلام، ومدينةً للإنسان". وختمت: "بذلك يبقى لبنان نورًا بهيًّا على جبين الصفحة الأولى من كتاب التاريخ".