شكّلت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن اختبارًا سياسيًّا متبادلاً بين رئيس لبناني يسير بخطى ثابتة في الرهان على واشنطن للحصول على مكاسب، ورئيس أميركي ينظر إلى لبنان من زاوية مشروع إقليمي أوسع يتجاوز حدوده. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن دونالد ترامب استقبل الرئيس عون باعتباره شريكًا في تنفيذ رؤية أميركية جديدة للبنان، عنوانها المعلن: إعادة بناء الدولة، وتعزيز الجيش، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
قدّم ترامب كلامًا إيجابيًّا عن لبنان، ووعد بالمساعدة، وأعلن ما اعتبره خطوة رمزية كبيرة، تتمثل بالسماح مجددًا لشركات الطيران الأميركية بتسيير رحلات مباشرة إلى بيروت. ظاهريًّا، يبدو القرار بمثابة رسالة ثقة سياسية وأمنية للعهد والحكومة، وإشارة إلى رغبة أميركية في إعادة وصل لبنان بالعالم. لكن عمليًّا، تبقى قيمة هذه "الهدية" موضع شك كبير، لأن القرار السياسي شيء، وإمكانية تطبيقه شيء آخر تمامًا. فالسلطات الأميركية ما زالت تُبقي لبنان ضمن أعلى مستويات التحذير من السفر، كما أن شركات الطيران الأميركية قد لا تخاطر بتسيير رحلات إلى منطقة ما زالت الحرب تدور في محيطها، طالما أن تقييمها الأمني والتجاري يعتبر المخاطر مرتفعة. ولذلك، فإن إعلان الرحلات المباشرة يبدو حتى الآن أقرب إلى رسالة سياسية موجهة إلى جوزاف عون منه إلى تحول فعلي، وعليه يجب انتظار كيفية صرف هذه الهدية، علمًا أن ما كان ينتظره لبنان هو نوع مختلف من الهدايا الأميركية.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر: كيف يمكن للإدارة الأميركية أن تدعو الأميركيين إلى زيارة لبنان، فيما هي نفسها حذّرت رعاياها خلال الأيام الماضية من السفر إلى لبنان والمنطقة، وأجلت موظفين غير أساسيين، وما زالت تعتبر البيئة الأمنية غير مستقرة؟ وكيف يمكن الحديث عن تشجيع السياحة الأميركية إلى بيروت في وقت تقود فيه واشنطن مواجهة عسكرية واسعة مع إيران، هي مواجهة تجعل كامل شرق المتوسط والخليج في دائرة المخاطر؟ أليست هذه ازدواجية واضحة بين الخطاب السياسي الذي يريد إظهار نجاح دبلوماسي، والوقائع الأمنية التي تقول شيئًا مختلفًا؟ فالسائح الأميركي لا يقرأ تصريحات ترامب، بل يقرأ تحذيرات وزارة الخارجية وشركات التأمين والطيران، وهي حتى الآن لا تزال تعتبر لبنان منطقة عالية المخاطر، بسبب حرب أميركا ومشروع إسرائيل واحتلالها.
في المقابل، بدا أن جدول الأعمال الأميركي كان أكثر وضوحًا من الجدول اللبناني، فالبيت الأبيض ركّز بصورة أساسية على تنفيذ مسار حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، واستكمال الترتيبات الأمنية في الجنوب، باعتبار ذلك مدخلًا لأي مرحلة سياسية أو اقتصادية جديدة. أما المطلب اللبناني المتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، فلم يحظَ بالزخم نفسه في تصريحات ترامب، رغم أن الرئيس عون شدد أمامه على ضرورة إنهاء الاحتلال واستكمال الانسحاب. فاللغة الأميركية بقيت تتحدث عن "تقدم" و"انسحاب تدريجي" ضمن ترتيبات أمنية، لا عن ممارسة ضغط مباشر على إسرائيل لتنفيذ انسحاب كامل وفوري.
تبدو واشنطن اليوم أكثر اهتمامًا بالشكل الذي سيلي الانسحاب من اهتمامها بموعد الانسحاب نفسه. فبالنسبة للإدارة الأميركية، الأولوية ليست فقط خروج الجيش الإسرائيلي، بل ضمان ألا يعود أي فراغ أمني يسمح بعودة حزب الله إلى تلك المناطق. ولذلك، يُجري التعامل مع ما يُسمى "المناطق التجريبية" باعتبارها تجربة أمنية.
ومن هنا، فإن تزامن زيارة عون مع بدء تنفيذ هذه المناطق لم يكن صدفة. فبينما كان الرئيس اللبناني يتحدث في واشنطن عن سيادة الدولة، كانت الوقائع الميدانية في الجنوب تكشف أن إسرائيل لا تزال ترسم بنفسها حدود الحركة داخل بعض القرى، حتى غير المحتلة منها، وتضع خطوطًا حمراء أمام انتشار الجيش اللبناني في بعض النقاط، بما فيها داخل زوطر الغربية.
أما حديث ترامب عن إمكانية أن تلعب سوريا دورًا في معالجة بعض الملفات اللبنانية، فقد حمل دلالة خطيرة إضافية أمام مرأى ومسمع الرئيس اللبناني هذه المرة. فالإدارة الأميركية تنظر إلى دمشق باعتبارها جزءًا من منظومة إعادة ترتيب المشرق بعد تراجع النفوذ الإيراني. ولذلك، فإن الإشارة إلى سوريا توحي بأن واشنطن ترى أن أمن الحدود اللبنانية–السورية، وضبط المعابر، ومنع انتقال السلاح والمقاتلين، كلها ملفات مترابطة ضمن تصور إقليمي واحد، وليس ضمن مقاربة لبنانية داخلية فقط.
في المحصلة، خرج جوزاف عون من البيت الأبيض بصورة سياسية جيدة، وحصل على دعم علني للرئاسة والجيش، وعلى إعلان رمزي يتعلق بالطيران المباشر، لكنه لم يحصل على التزام أميركي واضح بإجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل، ولم ينجح في تحويل الأولوية الأميركية من ملف السلاح إلى ملف الاحتلال. لذلك، يمكن القول إن الزيارة لم تكن فاشلة من حيث الشكل، لكنها لم تبدّل حتى الآن موازين القوة في الملفات الجوهرية، ولم تقدم لعون شيئًا في المضمون يمكّنه من إحراج حزب الله كما كان يسعى، ويطلب من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
























































