ليست قضية منع ​تحويل الدولارات​ من خط خلوي إلى آخر مجرد تعديل تقني في خدمة اعتادها ال​لبنان​يون، بل تغيير قد يمسّ مباشرة الطريقة التي يدير بها عدد كبير من المشتركين خطوطهم، والأهم المبلغ الذي يدفعونه لإبقائها فعّالة.

وتضع مصادر مطّلعة القضية في إطار خطة أوسع لتغيير جزء من نظام «التشريج» المعمول به منذ سنوات، مشيرةً إلى أن التوجه كان يقوم على الحدّ من بيع الدولارات وتحويلها بين الخطوط، إلى جانب تغيير آلية تشريج الأيام، بما يدفع المشترك، في حالات عدة، إلى الاعتماد على البطاقات المسبقة الدفع.

وتشير المصادر إلى أن الهدف كان الانتقال من الآلية التي تسمح للمشترك بشراء حاجته من الدولارات أو الحصول عليها عبر تحويل من خط آخر، إلى نظام تصبح فيه البطاقة المسبقة الدفع الوسيلة الأساسية للحصول على الرصيد.

وهنا تكمن حساسية القضية. فنقل الدولارات ليس خدمة هامشية بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين. فهناك عائلات تعتمد عليه لتحويل الرصيد بين أفرادها، ومشتركون يحصلون على بضعة دولارات من خط آخر عندما ينفد رصيدهم، فيما يلجأ آخرون إلى أحد المحال لشراء الكمية التي يحتاجون إليها بدلًا من شراء بطاقة كاملة. أما «تشريج الأيام»، فيتيح للمشترك الذي لا يحتاج إلى رصيد إضافي تمديد صلاحية خطه بحسب حاجته وإمكاناته.

وبالتالي، فإن الحدّ من تحويل الدولارات وبيعها وإلغاء «تشريج الأيام» لا يعني فقط تغيير آلية تقنية، وإنما تقليص الخيارات التي تسمح للمواطن بأن يدفع بقدر حاجته.

انكشاف الخطة... ماذا تغيّر؟

بحسب المصادر، فإن خروج القضية إلى الضوء وإثارتها اعتراضات وتساؤلات جعل السير بالتصور الأول، بالشكل الذي كان مطروحًا، أكثر صعوبة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الاتجاه الأساسي.

وتشير المصادر إلى أن «النية قد تبقى موجودة، لكن إمكانية تنفيذ الأمر كما كان مطروحًا أصبحت أصعب».

وترى أن ما حصل دفع باتجاه البحث عن حلول بديلة، من بينها احتمال المضي في الحدّ من بيع الدولارات وفق الآلية الحالية، مقابل استحداث بطاقة مخصصة لـ«تشريج الأيام» فقط، من دون أن تتضمن دولارات أو وحدات. وبذلك، يستطيع من يريد تمديد صلاحية خطه شراء «بطاقة للأيام»، فيما تُفصل هذه الخدمة عن الحصول على الرصيد.

لكن هذا السيناريو، إذا اعتُمد، لا يحسم السؤال حول مصير تحويل الدولارات بين الخطوط وبيعها بالطريقة الحالية. فهل تراجعت الوزارة عن منع تحويل الدولارات؟ وهل ما زال تغيير آلية بيعها مطروحًا؟ وما النظام النهائي الذي تريد الوصول إليه؟

لماذا تغيير نظام يعتمد عليه الناس؟

قبل الحديث عن الإيرادات، ثمة سؤال أساسي: ما المشكلة التي تريد الوزارة حلّها؟

إذا كان النظام الحالي يسمح للمشترك بتحويل الرصيد وشراء حاجته وتشريج الأيام، فما المبرر لتغيير هذه الخيارات؟ هل هناك أسباب تقنية؟ خسائر مالية؟ ثغرات في النظام؟ أم أن الهدف إعادة تنظيم سوق التشريج وزيادة الاعتماد على البطاقات؟

الإجابة ضرورية، لأن القرار لا يتعلق بإجراء داخلي في الوزارة، بل بطريقة يستخدمها اللبناني يوميًا لإدارة خطه.

كم سيدفع اللبناني أكثر؟

هنا تظهر النقطة الأهم بالنسبة إلى المواطن. فالمشترك الذي يحتاج اليوم إلى بضعة دولارات يستطيع الحصول عليها عبر تحويل من خط آخر أو شرائها وفق الآلية المتاحة. ومن يريد فقط تمديد صلاحية خطه، يستطيع تشريج الأيام. أي أنه يستطيع، في حالات كثيرة، أن يدفع بحسب حاجته.

أما إذا تقلصت هذه الخيارات وأصبح شراء البطاقة المسبقة الدفع هو المسار الأساسي للحصول على الرصيد، فقد يصبح المواطن مضطرًا إلى شراء بطاقة بقيمة تفوق ما يحتاج إليه فعليًا.

لذلك، لا يكفي شرح النظام الجديد تقنيًا. المطلوب معرفة الفارق بالأرقام: كم يدفع المشترك اليوم، وكم سيدفع بعد التغيير؟ وهل أجرت الوزارة دراسة للأثر المالي على المشترك قبل وضع هذه التصورات؟

وكم ستزيد الإيرادات؟

يقود ذلك مباشرة إلى السؤال الآخر: إذا أصبح المواطن مضطرًا إلى دفع مبلغ أكبر أو شراء بطاقات أكثر، فكم ستزيد ​إيرادات قطاع الخليوي​؟

الإجابة تحتاج إلى بيانات يفترض أن تكون متوافرة لدى الجهات المعنية: كم عملية تحويل دولارات تتم شهريًا؟ وما قيمتها؟ وكم مشتركًا يستخدم «تشريج الأيام»؟ وكم بطاقة إضافية يُتوقع بيعها في النظام الجديد؟ هذه الأرقام وحدها تسمح بتحديد الأثر الحقيقي للتغيير.

ولا يعني طرح السؤال افتراض وجود منفعة غير مشروعة لأي جهة، وإنما المطالبة بمعرفة الأثر المالي لقرار سيمسّ شريحة واسعة من المشتركين.

وهنا تصبح المعادلة واضحة: إذا كان المواطن سيدفع أكثر، فكم سيدفع؟ وكم ستدخل، في المقابل، إيرادات إضافية إلى القطاع؟

بحسب المصادر، يبدو أن خروج القضية إلى الضوء جعل تنفيذ الخطة الأولى أكثر صعوبة، ودفع إلى البحث عن بدائل. لكن السؤال لم يعد فقط ما إذا كان تحويل الدولارات سيُمنع أم لا.

السؤال هو: ما الذي تغيّر في الخطة، وما الذي بقي منها، وإلى أي نظام تريد وزارة الاتصالات الوصول؟

فإذا كانت هناك أسباب تقنية أو مالية تستوجب تغيير نظام «التشريج»، فمن حق اللبنانيين معرفتها. وإذا كان النظام البديل سيحمّلهم كلفة إضافية، فمن حقهم معرفة مقدارها قبل تطبيقه. لأن القضية ليست مجرد دولارات تنتقل من خط إلى آخر على شاشة هاتف، بل كم دولارًا إضافيًا قد يخرج من جيب اللبناني، ولماذا؟