أشار متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خلال ترؤّسه خدمة القدّاس في كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت، إلى "أنّنا سمعنا في الإنجيل أنّ الرّبّ يسوع أبصر حوله جمعًا كثيرًا كان يتبعه ليغتذّى من تعاليمه. لم يرَ في هذا الجمع حشدًا غريبًا، بل رأى وجوهًا متعبة، قلوبًا عطشى، وأجسادًا أنهكتها الأمراض، "فتحنّن عليهم وشفى مرضاهم".
وركّز على أنّ "الرّحمة هي نقطة الانطلاق في كلّ تدبير الله. الله لا يقترب من الإنسان بسلطان القاضي، بل بحنان الأب"، لافتًا إلى أنّ "القدّيس يوحنا الذّهبي الفم يقول إنّ المسيح غذّى الجموع بكلمة التعليم ونعمة الشّفاء، قبل أن يشبعهم بالخبز، لكي يعلّمنا أنّ الإنسان لا يجوع إلى الطعام فقط، بل إلى كلمة الله الّتي تحيي النّفس وتجدّدها، وقد علم أنّه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى 4:4)".
وأوضح المطران عودة أنّ "هذا الكلام موجَّه إلى الإنسان في كلّ زمان. العالم اليوم أيضًا جائع، لكن جوعه لا يقتصر على الخبز، بل يمتدّ إلى الحق والعدل والرّجاء والمحبّة والسّلام. إنّه عالم يضجّ بالحروب والمصالح وابتغاء المجد، لكنّه يفتقر إلى الكلمة الّتي تشفي، وإلى النّظرة الّتي ترى في الإنسان وجه الله، لا عددًا بلا قيمة ولا كرامة".
وشدّد على أنّه "عالم يلهث وراء المال والسّلطة، والإنسان فيه مقهور وجائع ومشرّد، يُظلم ويستغل ويقتل. عالم يضجّ بوسائل التواصل، لكن إنسانه يعاني وحدة عميقة"، مبيّنًا أنّ "في وسط هذا الواقع، لا يقول لنا المسيح: "إنتظروا حتى تتغيّر الظّروف"، أو "إبحثوا عن إمكانات أكبر"، بل يقول: "أعطوهم أنتم ليأكلوا"، أي كونوا شهودًا للمحبّة، وأدوات لعمل النّعمة، وخدامًا للعطايا الإلهيّة".
وتابع: "يسوع وضع تلاميذه، ويضعنا نحن اليوم أمام مسؤوليّة تثمير المواهب والوزنات المعطاة لنا من الله، مهما بدت محدودة، والله يجعلها ينابيع ماء حي وعطايا لا تنضب"، مؤكّدًا أنّ "الله لا يطلب من الإنسان عمل ما ليس في طاقته، بقدر ما يطلب منه الأمانة".
كما رأى عودة أنّ "لعلّ أخطر ما يواجه المسيحي اليوم ليس قلّة الإمكانات، بل قلّة الثّقة بالله. كثيرًا ما نقول إنّ الشّرّ تفشّى، والأنانيّة زادت، والمجتمع تغيّر، والتربية أصبحت أصعب، والإنسان يواجه تحدّيات كبيرة. كل هذا صحيح، لكن الإنجيل يسألنا قبل كلّ شيء عمّا سنفعل بما هو بين أيدينا، هل سنجعل بيوتنا أمكنة للصلاة؟ هل سنغفر لمن أساء إلينا؟ هل سنشهد للحق في أعمالنا؟ هل سنعطي المحتاج من وقتنا ومالنا واهتمامنا؟"، مشيرًا إلى أنّ "المسيح لا يبدأ بتغيير العالم دفعةً واحدة، بل يبدأ بقلب يسلّم له، فيجعل منه بركة للآخرين، يشعّ بنور المسيح".
وركّز على أنّ "عالمنا يعيش جفافًا روحيًّا، وانحطاطًا في القيم والأخلاق، وجشعًا إلى السّلطة والمال والدّمّ. الله مغيَّب، وهذا يزيد العالم ظلمةً وشرًّا، والظّلمة تولّد القلق فيغيب الرّجاء"، لافتًا إلى أنّ "إنجيل اليوم يعلّمنا أنّ الله حاضر في كلّ وقت ليساندنا وينتشلنا من ضعفنا وحيرتنا ومحدوديّة قدرتنا. يكفي أن نثق به ونصرخ "قل كلمة فقط" (متى 8: 8)، ونقترب منه حاملين إليه ضعفنا، وقلّة ما نملك مع رجائنا بأنّه قادر على كلّ شيء؛ وأنّ ما يوضع بين يديه يتقدّس ويتبارك ويتضاعف".