لم يكن تفصيلاً أن يحضر الملف السوري في اللقاء الذي عقد بين الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب​ ورئيس الوزراء ال​إسرائيل​ي ​بنيامين نتنياهو​ قبل أيام في ​واشنطن​، خصوصاً أنه جاء من منطلق التنافس مع النفوذ التركي في هذه الساحة؛ حيث قدم نتنياهو خريطة توضح حجم السيطرة التركية والإسرائيلية على الأراضي السورية، موضحاً أن نفوذ أنقرة أكبر بـ50 مرة من المناطق التي تحتلها تل أبيب.

تكمن أهمية هذا المعطى في أن لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي ملفاتٍ عدة من المفترض أن تكون على رأس قائمة المناقشات مع الرئيس الأميركي، تحديداً الملفين الإيراني واللبناني، إلا أن التنافس مع النفوذ التركي لم يعد، بالنسبة إلى تل أبيب، أمراً ثانوياً، وهو ما تثبته المواقف التي صدرت عن بعض المسؤولين قبل ساعات من اللقاء المذكور.

في هذا السياق، كان وزير الدفاع الإسرائيلي ​يسرائيل كاتس​ قد وجه نصيحة إلى الرئيس التركي ​رجب طيب أردوغان​، داعياً إياه إلى عدم "العبث معنا"، وألا يضع نفسه في الوضع الذي وضعت إيران نفسها فيه، مؤكداً "أننا لن نسمح لأردوغان بتعزيز ​سوريا​ ضدنا". بينما لفت وزير شؤون الشتات الإسرائيلي ​عميحاي شيكلي​ إلى أن الفراغ الذي تركته إيران ترثه ​تركيا​ بوتيرة متسارعة، متهماً السفير الأميركي في أنقرة ​توم باراك​ بجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة لإسرائيل.

ما تقدم، يقود مصادر متابعة إلى التشديد، عبر "النشرة"، على أن الملف التركي بات يحظى بأهمية قصوى لدى الجانب الإسرائيلي؛ حيث بات من الواضح أن هناك صراعاً شاملاً على النفوذ بين الجانبين في المشرق العربي، خصوصاً أن هذه المنطقة تكتسب أهمية كبرى بسبب المشاريع الاقتصادية التي تطرحها جهات إقليمية ودولية عديدة، على الرغم من أن أوساطاً عدة لا تزال تستبعد أن يقود ذلك إلى توتر عسكري مباشر بين الجانبين.

بالنسبة إلى هذه المصادر، فإن مبادرة نتنياهو إلى طرح هذا الملف مع ترمب، لا سيما بالنسبة إلى الواقع السوري، تنبع من قناعة لدى تل أبيب بأن واشنطن لا تأخذ بعين الاعتبار مصالحها في مقاربة النفوذ التركي في المنطقة، لا سيما بعد المواقف التي كانت قد صدرت عن الرئيس الأميركي في الفترة الماضية، وتحديداً في ما يخص صفقة طائرات F-35، بالإضافة إلى ما يطرحه من احتمال تدخل السلطة السورية الانتقالية في الملف اللبناني، الأمر الذي سيقود -من وجهة نظرها- إلى تعزيز النفوذ التركي في ساحة جديدة.

من حيث المبدأ، كانت إسرائيل، طوال الأشهر الماضية، تقارب هذا الملف من بوابة التهديدات الأمنية، تحديداً بالنسبة إلى كيفية التعاطي مع السلطة الانتقالية في دمشق، بسبب تاريخ هذه السلطة في الانتماء إلى منظمات متطرفة، ولذلك كانت تشدد على أنها لا تريد أن يكون على حدودها منظمات تصنفها إرهابية، بعد الحروب التي خاضتها منذ السابع من تشرين الأول من العام 2023.

في هذا الإطار، تلفت المصادر المتابعة إلى أن تل أبيب لم تعد تركز على هذا المعطى، على الرغم من أن المقاربة الأمنية لديها تتقدم على أي أمر آخر، بل باتت تنظر إلى هذه المسألة من بوابة المشاريع الاقتصادية الكبرى في المنطقة، لا سيما بعد أن لاحظت أن أنقرة تسعى إلى تقديم نفسها كراعية لمشروع يقلل من الاعتماد على ​مضيق هرمز​، من خلال اتفاقات تبرم مع الجانبين العراقي والسوري برعاية مباشرة من الولايات المتحدة، بل قررت الانتقال إلى اللعب مع تركيا في الملف نفسه.

في المحصلة، تشير هذه المصادر إلى أنه في الوقت الذي تسعى فيه أنقرة إلى تقديم نفسها كخط بري بديل عن مضيق هرمز، بعد التداعيات التي فرضتها الحرب على إيران، تطرح تل أبيب نفسها بديلاً آخر، يقوم على أساس نقل خطوط أنابيب الطاقة من المضائق إلى البحر الأحمر، ومن هناك إلى إسرائيل والبحر المتوسط، حيث يبقى السؤال عن تداعيات هذا التنافس الذي تملك واشنطن وحدها القدرة على رعايته ومنع انفجاره.