جاءت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى تركيا في توقيت إقليمي مهم، حيث تعاد صياغة خرائط النفوذ في المشرق، وتتسابق القوى الإقليمية والدولية على ملء الفراغات التي خلفتها الحرب التي لا تزال قائمة في المنطقة.
بحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن القراءة اللبنانية للزيارة تتجاوز بعدها الثنائي، إذ تنظر إليها باعتبارها جزءاً من عملية إعادة تموضع للبنان ضمن شبكة توازنات جديدة، بعدما أصبح واضحاً أن المرحلة المقبلة ستشهد أدواراً مختلفة لعدد من اللاعبين الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا.
وتشير المصادر عبر "النشرة" إلى أن أنقرة تنظر إلى لبنان كجزء من الأمن الاستراتيجي للمتوسط الشرقي، ومن منظومة النفوذ من سوريا إلى العراق وشرق المتوسط. ولذلك، فإن الاهتمام التركي بلبنان لم يعد مقتصراً على المساعدات الإنسانية أو المشاريع الإنمائية كما كان سابقاً، وإنما أصبح يحمل أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية تتناسب مع التحولات التي تشهدها المنطقة.
وتضيف المصادر أن القيادة اللبنانية تدرك أن تركيا تمتلك اليوم عناصر قوة لا يمكن تجاهلها، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتحتفظ بعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه نجحت في بناء قنوات تواصل مع روسيا، كما أصبحت لاعباً أساسياً في الملف السوري، فضلاً عن حضورها المتنامي في ملفات الطاقة والبحر المتوسط وإعادة الإعمار، ومن هذا المنطلق، فإن بيروت تنظر إلى أنقرة باعتبارها دولة قادرة على فتح أبواب يصعب على لبنان فتحها منفرداً.
لا تخفي أوساط دبلوماسية أن أحد أهم أهداف الزيارة يتمثل في تثبيت موقع لبنان داخل مرحلة إعادة ترتيب المشهد السوري. فبعد التغيرات التي شهدتها سوريا، باتت تركيا صاحبة تأثير مباشر في جزء كبير من مستقبل الدولة السورية، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الحدودي. وهذا الواقع يفرض على لبنان بناء علاقة مستقرة مع أنقرة، لأن أي تسوية سورية مقبلة ستكون لها انعكاسات مباشرة على ملف النازحين، وحركة التجارة، وضبط الحدود، وإعادة فتح خطوط النقل البرية بين لبنان والعالم العربي.
وبحسب مصادر مواكبة، فإن ملف النازحين السوريين حضر بقوة في المحادثات، من زاوية البحث عن مقاربة سياسية تواكب أي تغيرات داخل سوريا. فتركيا تستضيف ملايين السوريين، وتمتلك تأثيراً واسعاً داخل الأراضي السورية، الأمر الذي يمنحها دوراً أساسياً في أي خطة مستقبلية لإعادة قسم من النازحين أو إنشاء بيئة تسمح بعودة تدريجية، وهو ما تعتبره بيروت أولوية وطنية.
لكن أهمية الزيارة لا تتوقف عند الملف السوري. فالمصادر نفسها تشير إلى أن لبنان يسعى أيضاً إلى الاستفادة من الرغبة التركية في توسيع حضورها الاقتصادي في شرق المتوسط. فأنقرة تبحث عن أسواق جديدة، فيما يحتاج لبنان إلى استثمارات في البنية التحتية، وإلى شركات قادرة على تنفيذ مشاريع في مجالات الكهرباء والمرافئ والنقل والإعمار. وتؤكد المصادر أن الجانب التركي أبدى استعداداً لزيادة مساهمته في مشاريع إنمائية وصحية وتعليمية، إضافة إلى استمرار برامج الدعم التي تنفذها المؤسسات التركية في عدد من المناطق اللبنانية، والتي شملت خلال السنوات الماضية تجهيز مستشفيات، وترميم مدارس، وتنفيذ مشاريع مياه وصرف صحي، وتقديم مساعدات غذائية وطبية، فضلاً عن المنح التعليمية والتعاون التقني.
وفي البعد الأمني، ترى مصادر مطلعة أن تركيا تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءاً من استقرار شرق المتوسط، ولذلك أبدت اهتماماً بتطوير التعاون مع الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية ضمن الأطر القانونية والدولية، سواء عبر التدريب أو تبادل الخبرات أو تقديم تجهيزات ومساعدات تقنية. وتعتبر المصادر أن المؤسسة العسكرية اللبنانية تبقى بالنسبة إلى معظم الدول الصديقة المدخل الأساسي لدعم استقرار الدولة، وهو ما يجعل التعاون مع أنقرة مرشحاً للتوسع خلال المرحلة المقبلة.
وتلفت المصادر إلى أن الحديث المتزايد عن احتمال اضطلاع تركيا بأدوار أكبر في الجنوب اللبناني أو في أي ترتيبات أمنية مستقبلية لا يزال يحتاج إلى توافقات دولية وإقليمية معقدة، إلا أن مجرد طرح هذا الاحتمال يعكس حجم التحول الذي طرأ على النظرة الدولية إلى الدور التركي، بعدما كانت أنقرة بعيدة نسبياً عن الملف اللبناني الأمني. وتضيف أن تركيا لا تسعى إلى الحلول مكان أي طرف، بل إلى تثبيت نفسها شريكاً يمكن الاستفادة منه في أي ترتيبات مقبلة إذا توافرت الظروف السياسية المناسبة.
وترى مصادر سياسية أن الرسالة الأهم التي حملتها الزيارة هي أن لبنان يسعى إلى سياسة خارجية أكثر انفتاحاً وتوازناً، تقوم على بناء علاقات متينة مع مختلف القوى المؤثرة، بعيداً عن الاصطفافات الحادة التي طبعت السنوات الماضية. فالمرحلة الحالية تفرض على الدولة اللبنانية استثمار أي فرصة تسمح بجذب الدعم السياسي والاقتصادي، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط المالية والأمنية، وحاجة البلاد إلى شركاء قادرين على المساهمة في إعادة بناء المؤسسات وتحريك الاقتصاد.

































