لقد ملّ العالم من التعامل مع الكذب والخداع الإسرائيلي، وهذا الملل لا يطال فقط الدول التي عانت من إسرائيل كلبنان وسوريا، بل أيضًا الدول الأكثر قربًا منها، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
هذا هو الحال اليوم. فمن يسمع داني دانون، السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، يستغرب كيف أن إسرائيل التي تظهر بصورة الحمل الوديع، تلقى هذا القدر من الانتقاد والغضب من قبل العديد من الناس في مختلف أنحاء العالم، فهي "محبة للسلام، وراعية للعدالة، ومثال العيش المشترك، وناشرة ثقافة الحوار والتفاهم...". ولكن، لمن لا يزال "ينخدع" بمثل هذا الكلام، ندعوه إلى سماع ما يقوله المسؤولون الإسرائيليون الفعليون، وفي مقدمهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، علّه يجد الجواب اليقين.
ما تقوله إسرائيل في الأمم المتحدة تناقضه تمامًا على أرض الواقع وفي المنطقة. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، قول دانون: "إسرائيل تريد إيجاد روابط مباشرة مع الجيش اللبناني بهدف فرض الاستقرار في جنوب لبنان"، وأن "بقاء اليونيفيل يعني بقاء حزب الله". هذا التضليل كافٍ للحكم على النوايا الإسرائيلية. فالمسؤولون في تل أبيب لم يفوتوا فرصة إلا وتعرضوا للجيش اللبناني (المفترض أن يكون الحل في لبنان باعتراف الأميركيين والعالم أجمع)، وهاجموه وعملوا على تقويض صورته ومعنوياته أمام اللبنانيين، واتهموه بزعزعة استقرار الدولة والتعامل مع حزب الله وإيران. فعلى أي أساس ستكون "الروابط المباشرة" مع هذه المؤسسة العسكرية التي تحظى بثقة لبنان وبقية الدول؟ وهل مفهوم فرض الاستقرار في الجنوب هو بقاء الاحتلال الإسرائيلي واستباحة السيادة اللبنانية من دون حتى تسجيل ولو اعتراض؟
أما اتهام اليونيفيل بأنها موازية لحزب الله، فما بعده وقاحة. فهذا الكلام صادر عن منبر الأمم المتحدة التي لم تتوقف عن دعم إسرائيل منذ ضمها إلى المنظمة الدولية. ولو كان دانون يؤمن فعلًا بأن الأمم المتحدة وجنودها منحازون إلى حزب الله، فليتفضل وينسحب منها، وليعلن أنها باتت منظمة "معادية"، وليعتبرها كـ"اليونسكو" التي خوّنها وألصق بها تهم دعم الإرهاب! وهل كلامه هو لتبرير الهجمات والمضايقات اليومية التي تعرضت لها اليونيفيل، ولا تزال، على أيدي القوات الإسرائيلية في الجنوب؟
وإذا ابتعدنا قليلًا جدًا عن الحدود اللبنانية، نرى أن دانون نفسه لم ينتظر "تكذيبه" من قبل مسؤوليه، بل أخذ المهمة على عاتقه وقام بتكذيب نفسه، حيث أعلن دعمه للمفاوضات مع السوريين، لكنه قال في الوقت نفسه إن الجولان سيظل جزءًا من إسرائيل. فعلى ماذا سيكون التفاوض إذًا؟ هل على المسافة التي سيسمح للسوريين بالاقتراب منها من الجولان، وربما تنظيم جولات سياحية لهم للتجول في أرضهم؟
كيف تقتنع إسرائيل أنها تخدع العالم، وتحوّل المنطق إلى سذاجة؟ وكيف يسمح لها باتهام الأمم المتحدة بالانحياز إلى حزب الله، وضرب قراراتها عرض الحائط، وتوحي في الوقت نفسه بأنها تحمل غصن الزيتون، وهو في المناسبة الزيتون نفسه الذي أخذته من لبنان وقضت على آلاف منه في مختلف المناطق الجنوبية، وتقطع الطريق بالتالي على وجود أي قوات دولية بديلة عن اليونيفيل بعد انتهاء مهام هذه القوات، مع التشديد على محاولة تهميش الجيش اللبناني ودوره؟
لم يعد ينفع إسرائيل ارتداء ثياب الحمل في نيويورك، لأن حقيقة الذئب ظاهرة بوضوح في لبنان وسوريا والمنطقة. وإذا ما استمر هذا النهج، فلن تنعم المنطقة بالسلام والأمن بتاتًا، حتى ولو سادت فترات متقطعة من الهدوء الهش.






















































