حينَها، كانَتِ بَيروتُ تُضاهي أثينا، مَقصَداً لِلفِكرِ وَمَنهَلاً لِلإنسانِيَّاتِ، ... بَل وَتَتَفَوَّقُ عَلَيها.
إلَيها أتى يوحَنَّا Ἰωάννης وأركاديوسُ Ἀρκάδιος إبنا إكسِنوفونَΞενοφών وَمارياΜαρία .
ذاكَ ما يؤَكِّدُهُ المُستَشرِقُ وَمؤَرِّخُ الكَنيسَةِ الألمانِيُّ Georg Graf مُستَنِداً الى المَخطوطَةِ رَقمَ 71 في خِزانَةِ الفاتيكان، والمُدَوَّنَةِ العامَ 885 م.، وَفيها "سيرَةُ إكسِنوفونُ القِدِّيسِ وأُسرَتُهُ".
وَفي المَخطوطَةِ يَذكُرُ المؤَرِّخُ نيقيفوروسُ كالِستوسُ إكسانتوبولوسُΝικηφόρος Κάλλιστος Ξανθόπουλος أنَّ "إكسِنوفونَ مِن أهلِ القَرنِ الخامِسِ لِلميلادِ، وَهوَ مِن كِبارِ أعيانِ مَلَكِيَّةِ الرومِ"، قامَ بِإرسالِ وَلَدَيهِ الى بَيروتَ "الزاهِرَةِ بِالعُلومِ"، عَلى "عادَةِ أعيانِ ذَلِكَ الزَمانِ"، بَعدَما "رَبَّاهُما وَزَوجَتُهُ تَربِيَةً صالِحَةً وَعَلَّماهُما كُلَّ عِلمٍ وَحِكمَةٍ." لَكِنَّ عاصِفَةً هَوجاءَ إعتَرَضَتهُما وَسَطَ البَحرِ،"فَإنكَسَرَتِ السَفينَةُ الَتي تُقِلُّهُما، وَألقاهُما المَوجُ ناحِيَةَ صورَ: يوحَنَّا في مَكانٍ يُقالُ لَهُ Malmephetan، وَأركاديوسُ في مَوقِعٌ يُقالُ لَهُ الأربَعَةَ أبرِجَةٍ." وَلَم يَعرِف إكسِنوفونُ وَماريا مَصيرَ وَلَدَيهِما، فَأرسَلا مَن يَبحَثُ عَنهُما في أثينا لِإعتِقادِهِما أنَّهُما فَضَّلا الذَهابَ إلَيها عِوَضاً عَن بَيروتَ. لَكِنَّ بَيروتَ الَتي أصَّرا على بُلوغِها أنقَذَتهُما، مَرَّتَينِ: مِنَ المَوتِ غَرَقاً، وَمِنَ الغَرَقِ تَكَبُّراً عِندَ إستِزادَةِ نورِ المَعرِفَةِ. وَحَمَلَتهُما بَيروتُ الى ذُرى حَقيقَةِ المَعرِفَةِ: سُكنى الإنسانِ في الأُلوهَةِ... فَ"تَرَّهَبا فيها، وَتَخَلَّيا عَن حَياتِهِما المُترَفَةِ."
وَكَذَلِكَ فَعَلَ إكسِنوفونُ وَماريا، بَعدَما تَرَكا بيزَنطِيَةَ لِلبَحثِ عَنهُما. "وَشَكَرا الرَبَّ عَلى حِفظِهِ لِوَلَدَيهِما مِنَ المَوتِ". وَباعَ الوالِدُ كُلَّ ما كانَ يَملِكُهُ "وَقَسَّمَهُ عَلى المَساكينَ"... "وَلَبِسَ مِسحاً لِخِدمَةِ الحَقيقَةِ"، أمَّا زَوجَتُهُ "فَتَرَهَّبَت في دَيرِ راهِباتٍ صالِحاتٍ..." أنقَذَتهُما بَيروتُ الَتي قَصَداها، أبَدِيَّاً: أعطَتِ الحَياةَ مِعنىً تَستَرفِعُهُ مِن صُلبِ الفانِياتِ الى غِنى المِعنى الأبقى.
الكَنيسَةُ الكاثوليكِيَّةُ والأورثوذُكسِيَّةُ تُعلي الوالِدَ والوالِدَةَ وَإبنَيهِما إلى مَصافِ القِدِّيسينَ.
هيَ بَيروتُ عَلَّمَتِ، بِالإبنَينِ، الوالِدَ والوالِدَةَ، تَوقَ الخَليقَةِ الى الخالِقِ، في صُلبِ الطَبيعَةِ الإنسانِيَّةِ، في قَلَقِها المُغامِرِ صَوبَ الحَقيقَةِ، في غَوصِ تَغَلُّبِ المَوتِ.
هيَ بَيروتُ مُنقِذَةُ وجودِيَّةِ العالَمِ وَنَجاتُهُ مِنَ النِهائِيَّاتِ، في رِفعَةِ اللانِهائيِّ... الحَياةِ!
المَعرِفَةُ الخُلودُ
لَيسَتِ المَعرِفَةُ إضمِحلالاً كيانِيَّاً، وَلا هُروباً إنفِعالِيَّاً لِخِواءٍ يُغَطّي خِواءً بِتِعِذُّرٍ.
إذا الأُلوهَةُ تَعرِفُ الإنسانَ في ما هوَ مُصارِعٌ لِلعَواصِفَ الطبيعِيَّةِ والذاتِيَّةِ، فِإنَّ مُبتَغى الأُلوهَةُ لِلإنسانِ: الخُلودُ في ما هوَ أبعَدُ مِنَ الخَلاصِ الجَسَديِّ. الخُلودُ في تَحقيقِ الذاتِ، وَتَجسيدُهُ مِنَ الإنسانِ وَبِالإنسانِ وَفي الإنسانِ نَفسِهِ.
تِلكَ قُدسِيَّةُ بَيروتَ-لبنانَ.
إذا الخُلودُ لَيسَ إنبِثاقاً مِن قُوَّةٍ ذاتِيَّةٍ لِكائِنٍ مَآلُهُ الفَناءَ، فَإنَّ مُبتَغى الأُلوهَةِ لِلإنسانِ: عُهدَةُ المَخلوقِ في الخالِقِ. إذ ذاكَ الخُلودُ يَغدو قيامَةً.
تِلكَ بَيروتُ-لبنانُ القُدسِيَّةُ.
إذا المَوتُ لَيسَ إحتِضاراً، والحَقيقَةُ لَيسَت لا تَنَكُّراً لَهُ، وَلا هُروباً مِنهُ، وَلا تَآلُفاً مَعَهُ، بَل مواجَهَتُهُ في ما هوَ أقوى مِنهُ، فَإنَّ مُبتَغى الأُلوهَةِ لِلإنسانِ: القيمَةُ اللامُتَناهِيَةُ المُحَقَّقَةُ والمُحَقِّقَةُ.
تِلكَ القُدسِيَّةُ بَيروتَ-لبنانَ.
حِكمَةُ القَصِد: المَعرِفَةُ-الخُلودُ الَتي بِها تَفَوَّقَت بَيروتُ عَلى أثينا، وَغَلَبَت روما-القُوَّةَ، وَإنتَصَرَت عَلى أورشَليمَ "قاتِلَةِ الأنبياءَ وَراجِمَةِ المُرسَلينَ إلَيها" (مَتَّى 23/37 وَلوقا 13/34).
إعتَرِف: الحَضارَةُ حِكمَةُ القيمَةِ اللامُتَناهِيَةِ لِلإنسانِ المَخلوقِ، في لانِهائِيَّةِ الخالِقِ اللامُتَناهي.
بَيروتُ أعلَت تِلكَ الحَقيقَةَ، إعتَنَقَتها، عَلَّمَتها. يوحَنَّا وأركاديوسُ وإكسِنوفونُ وَماريا بَلَغوها. هيَ أقوى مِن نَزعَةٍ مآلُها العَجزُ في خَواتيمِها. هيَ إطارُ الحُرِيَّةِ المُحَرَّرَةِ والمُحَرِّرَةِ... لِأجلِها تَترُكُ كُلَّ شَيءٍ وَتَتبَعُها.
طوباها بَيروتُ-لبنانُ!
























































