يُحسب لوزير الإعلام الدكتور ​بول مرقص​، النجاح في إمرار قانون الإعلام والإصلاحات في كنفه، مع ما يتضمنه أيضًا مِن نقاط إيجابية، بعد حوالي خمس عشرة سنة من السعي إلى إقرار قانون جديد للإعلام في ​لبنان​، وبعد مئات الجلسات النيابية والتعديلات الناجمة عنها...

ولقد تجاوز القانون المُقَرّ نيابيًا عقدة المادة 104، المُتضمنة عُقوبات قد تُفرض على الإعلاميين في حالات معينة، إذ يُمكن للقاضي فرض السجن والغرامة على الصحافي أو أحدهما، إذا تعمَّد الصحافي اختلاق الأخبار الكاذبة أو المُضلِّلة والتي تُلحق الأذى... وللتاريخ، يُسجل أيضًا للوزير مُرقص اعتراضه على هذه المادة.

ولكن وجهة النظر الأُخرى تقول إن "عددا كبيرا من النُواب عرضوا شكواهُم وتذمُرهم من الحملات غير المُحقة والمُسيئة والتي تأتي من عدم، وتُلاحقهم من حيث التضليل وفبركة الأكاذيب في حقهم، سواء في حياتهم الخاصة أو في أعمالهم وهي منهُم براء"، على ما قال الوزير مرقص، في مُقابلة مع الإعلامي الدكتور ​سامي كليب​، عبر تلفزيون الغد في 15 آب 2026.

نماذج مُجتمعية

تكمن الخُطورة أيضًا في سوء استخدام وسائل التواصُل الاجتماعي مِن العُموم، وهُم مِن غير الصحافيين أو ممن يلبسون لُبوس الصحافي ويطرأون على المهنة، أو حتى من العُموم الذين يُخضِعون غيرهُم للابتزاز، عبر اختلاق أكاذيب وأضاليل، ونشرها عبر وسائل التواصُل الاجتماعي مثلًا (فيسبوك - واتسأب...)

وفي هذا الإطار، أنشأ "رئيس لجنة" في مبنى في جديدة المتن، مُنذ ثلاث سنوات، مجموعة عبر الـ"واتسأب"، راح من خلالها يقترف ​جرائم القدح والذم​ والتشهير بهدف ​الابتزاز المالي​.

ويسود اليوم، في لُبنان مُعتقد شعبي يعتبر أصحابه أن حُرية التعبير للإعلاميين والعاملين في مجال الإعلام، تنسحب أيضا على "حُرية اقتراف جرائم القدح والذم والتشهير" من العُموم... وفي ذلك مُعضلة على صعيد ​القيم الاجتماعية​ والخُلقيات المنهارة بسبب الحُروب في لُبنان. ولتلك الجرائم نتائج وخيمة تنسحب على المُجتمع برُمته. كما أنها من مُخلفات الحروب (La guerre apres la guerre). وبعد الحروب المُتلاحقة على لُبنان، تلاشت القيم حتى الانهيار، واستفحلت لغة الشتيمة وقل الحياء وانهارت الآداب الاجتماعية، لذا تنبغي مُواجهة هذا الخطر الاجتماعي المهول، وقد يكون للقضاء دور في ذلك، أقله لناحية التشدُد في جرائم القدح والذم والتشهير...

كما أن هذه الجرائم على المُستوى الشعبي، تكون – في غالبها - في شكل "مُتعمَّد"، كما ينطبق عليها نص المادة 104 من قانون الإعلام والتي جاءت في متنها عبارَتا: "يتعمد" و"يُحدث إيذاء من لا شيء"... كمكمِّل للمسؤولية عن الجريمة.

وأما المادة 68، فنصت على أن النشر "يُعتبَر حاصلا عن سوء نية، إذا تم نشر الخبر مع العلم أنه غير صحيح وكاذب" أو نُشر عن "سوء نية"...

وقد بلغ استهتار إحدى السيدات بالمسار القانوني المُعتَمَد في حقها، بعد اقترافها جرائم القدح والذم والتحقير، أن ردت على إنذار وُجِّهَ إليها في شكل قانوني، بواسطة كاتب العدل، بعد اتهامها صاحب الشكوى بـ"سوء الأمانة"، والتعرض لشخصه على الملأ، ومن دون أي حجة أو برهان... فكتبت تلك السيدة على مُستند الإنذار عندما تبلغته، عبارة: "بِلّو واشرَب مَيْتو"... كرد منها مُتعمَّد على النظام القضائي برُمته، أو لجهلها القوانين المَرعية الإجراء!.

وثمة مَن زوَّر شفهيا، عبر الـ"واتسأب"، مضمون وقائع التحقيق الجنائي قبل تلاوته في جلسة علنية، في مُخالفة واضحة لما جاء في قانون الإعلام في هذا الشأن، إذ إن المادة 63 حذرت من نشر "وقائع التحقيقات الجنائية والجناحية قبل تلاوتها في جلسة علنية"...

لذا، فالمطلوب تحديد المسؤوليات في ما يتعلق بجرائم نشر الشتائم والسباب، عبر وسائل التواصُل الاجتماعي، كإنشاء مجموعة عبر الـ"واتس أب" بهدف "القدح والذم" و"التحقير"... ولو أن المعضلة في هذا الإطار، تبقى خُلُقية بامتياز، وتكمُن في انعدام الأخلاق والإفلاس على المستوى القِيَمي، وكذلك على صعيد المُمارسات غير المسؤولة وغير الخُلُقية!.

والمطلوب أيضا، أن يُصار إلى نصِّ أُصول لمحاكمات جرائم كهذه، المُتضررون منها هُم من عُموم الأشخاص، بالنظر إلى خُطورتها على المُستويين الاجتماعي والخُلُقي، وما يتأتى عنها مِن عواقب أمنية، يتسبب بها التحريض المُمارَس عبر ​وسائل التواصل الاجتماعي​، في "جرائم القدح والذم والتحقير"...

كما قد لا يغيب الابتزاز المالي عن هذه المشهدية... وثمة نماذج خطرة تُمارس الآن في هذا المجال...

إن قانون الإعلام، يلحظ في الأسباب الموجبة لاقتراحه، أنه "يرمي إلى تطوير التشريعات اللُبنانية في حقل الإعلام، مِن أجل مُواكبة التطور الحاصل في التقنيات والمُمارسات المهنية والذهنيات من جهة، ومن أجل احترام أوسع لحُريات الرأي والتعبير والإعلام من جهة ثانية، مع احترام مُتوازن لحقوق الغير وحُرياتهم والمصلحة العامة... ولكن ماذا عن الأسباب الموجِبة لتطوير التشريعات في المُمارسات العامة، وعلى مستوى العُموم؟...

وماذا عن حُرية في حُرية الرأي والتعبير لدى العُموم، والتي ينبغي أن تتحلى بالمسؤولية جهة ثانية، مع احترام مُتوازن لحُقوق الغير وحُرياتهم؟.

إن "صياغة شُرعة الآداب والأخلاقيات"... ينبغي أن تنسحب على المُجتمع برُمته. صحيح أن الإعلام اللُبناني أثبت وعيه وتحمُله المسؤوليات الخُلُقية، والمهنية والوطنية، في أحلك الظُروف... غير أن ذاك الوعي وتلك المسؤولية، ينبغي أن ينسحبا على المُجتمع برُمته، ومن هُنا يُعمم الإصلاح ويتجلّى التغيير!.

ولا نُريد لقانون الإعلام، أن يتسم بالامتياز القضائي، في مُقابل تفلُت أعمى يسوده الجهل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي!