لم تعد الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان حدثًا استثنائيًا منذ دخوله حيز التنفيذ في 20 حزيران الماضي، لكن ما جرى السبت رفع مستوى الاختبار إلى درجة مختلفة. فقد قتلت الغارات الإسرائيلية 11 شخصًا في أنصار ودير الزهراني، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، وأصابت 19 آخرين، في الحصيلة الأكثر دموية منذ بدء الهدنة، فيما امتد القصف إلى منطقة بين أنصار والزرارية وُصفت بأنها الأعمق التي تتعرض لغارة منذ نحو شهرين.
قدّمت إسرائيل غاراتها باعتبارها ردًا على حادثة قالت إنها أدت إلى إصابة ثلاثة من جنودها داخل المنطقة التي تحتلها في الجنوب. ونسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي والجيش الحادثة إلى "حزب الله"، وقالا إن الغارة على أنصار استهدفت مقرًا لقوة الرضوان ومسؤولًا فيها يدعى علي سمير الحاج حسن. إلا أن حزب الله لم يعلن مسؤوليته عن استهداف الجنود، مكتفيًا بإدانة الهجمات الإسرائيلية التي قال إنها ستُواجه بـ"رد مناسب".
وبمعزل عمن بدأ جولة السبت، فإن الثابت أن الهدنة التي خفضت مستوى القتال بصورة كبيرة لم تنهِ استخدام القوة، كما أن إسرائيل أعلنت منذ بدايتها احتفاظها بحرية التحرك ضد ما تعتبره تهديدًا لقواتها أو أراضيها. ومنذ ذلك الحين، استمرت الضربات والقصف وعمليات الهدم، بموازاة بقاء القوات الإسرائيلية في أجزاء من الجنوب، وبدء مسار سياسي يقوم على انسحاب تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، ونزع سلاح المجموعات غير التابعة للدولة.
لهذا، لا يقتصر اختبار السبت على معرفة ما إذا كانت الهدنة قد صمدت أم لا، بل يفتح سؤالًا أكثر دقة عن القاعدة التي تحكم استخدام القوة داخلها: إذا وقع استهداف تقول إسرائيل إنه أصاب جنودها، فمن يحدد حجم الرد ومكانه ومدته، ومتى يتوقف "الرد" عن كونه إجراءً محدودًا ويصبح جولة عسكرية جديدة؟
حادثة واحدة ورد يمتد على الخريطة
بدأت الرواية الإسرائيلية من حادثة محددة داخل المنطقة التي تسيطر عليها قواتها، إلا أن الرد لم يبقَ داخل مكان الحادثة، وفق ما ظهر من خريطة الغارات. فقد استهدفت الطائرات الإسرائيلية أنصار ودير الزهراني، إلى جانب تلال علي الطاهر ومناطق أخرى في الجنوب، فيما تحدثت الوكالة الوطنية للإعلام عن غارة في الوادي بين أنصار والزرارية هي الأولى بهذا العمق منذ بدء وقف إطلاق النار. كما أن أنصار ودير الزهراني تقعان خارج ما تسميه إسرائيل "المنطقة الأمنية" التي تحتلها في الجنوب.
بهذا المعنى، لم يعد نطاق الرد مرتبطًا بالضرورة بالمكان الذي تقول إسرائيل إن الخطر صدر منه. فالمنطق الإسرائيلي يربط بين الحادثة والبنية العسكرية التي يعتبر أنها تقف خلفها، ما يتيح الانتقال من موضع استهداف الجنود إلى منشآت أو أشخاص في مناطق أخرى. وتقول إسرائيل إنها ضربت في أنصار مقرًا تابعًا لقوة الرضوان وقتلت قائدًا فيه، فيما قال رئيس الحكومة نواف سلام إن الأطفال والنساء الذين سقطوا في الغارة ليسوا "بنية عسكرية" ولا أهدافًا عسكرية.
من يحدد معنى "الرد"؟
لا يتضمن مفهوم الرد في ذاته سقفًا واضحًا يمكن قياسه ميدانيًا. فقد يكون قصفًا لمصدر نيران، أو استهدافًا للشخص الذي تعتبره الجهة المهاجمة مسؤولًا عن العملية، أو توسيعًا للضربات إلى مواقع تقول إنها مرتبطة بالجهة نفسها. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما لا يكون أصل الحادثة متفقًا عليه، كما في الحالة الأخيرة، إذ نسبت إسرائيل استهداف جنودها إلى "حزب الله" من دون إعلان مماثل من الحزب.
تمنح هذه المساحة كل طرف قدرة واسعة على تعريف الضرورة العسكرية من وجهة نظره. إسرائيل تقول إنها تحتفظ بحق العمل ضد الأخطار الناشئة وضد التهديدات لقواتها وأراضيها، وهو موقف أعلنته منذ اللحظات الأولى لوقف النار في حزيران. لكن تطبيق هذا المبدأ من طرف واحد يعني عمليًا أن إسرائيل نفسها تحدد متى وقع الخرق، ومن المسؤول عنه، وما الهدف الذي يجوز ضربه، والحجم الذي تعتبره مناسبًا للرد.
تجربة سابقة قبل أن يبرد التصعيد
ليست هذه المرة الأولى التي يتحول فيها حادث أمني محدود إلى جولة أوسع تحت الهدنة. ففي 5 آب، قُتل جنديان إسرائيليان وأصيب أربعة آخرون بجروح خطرة في انفجار داخل مجدل زون. قال الجيش الإسرائيلي آنذاك إن طبيعة الانفجار لا تزال قيد التحقيق، ولم يصدر حزب الله بيانًا يتبنى الحادثة، إلا أن إسرائيل أطلقت بعدها سلسلة غارات وقصف على بلدات جنوبية أدت إلى سقوط قتيل وعشرات الجرحى. وسجلت اليونيفيل في ذلك اليوم 113 مقذوفًا إسرائيليًا، وهو العدد الأكبر منذ 21 حزيران.
تكشف الحادثتان نمطًا يتجاوز هوية منفذ كل عملية. فإصابة القوات الإسرائيلية داخل الأراضي التي تسيطر عليها يمكن أن تنتقل سريعًا إلى سبب لضرب مناطق أخرى، حتى قبل حسم المسؤولية بصورة مستقلة أو إعلان الطرف المتهم مسؤوليته. بذلك، تصبح المعادلة أقل ارتباطًا بإثبات مصدر الهجوم وأكثر ارتباطًا بالطريقة التي تفسر بها إسرائيل التهديد وتحدد مصدره.
من يمنع الرد على الرد؟
تزداد خطورة هذه المعادلة عندما يقرر الطرف الآخر الرد بدوره. فحزب الله، الذي لم يتبنَّ استهداف الجنود في الحادثة الأخيرة، قال بعد الغارات إن الاعتداءات الإسرائيلية ستُواجه بما تستحقه وبـ"رد مناسب دفاعًا عن لبنان". عند هذه النقطة، يصبح من الممكن أن تنتقل الجولة إلى حلقة جديدة: إسرائيل تعتبر ضرباتها ردًا على استهداف سابق، والحزب يعتبر أن الغارات نفسها تستوجب ردًا، ثم تستطيع إسرائيل أن تعتبر الرد الجديد خرقًا آخر يستدعي عملية جديدة.
المشكلة أن اتفاقات حزيران نجحت حتى الآن في خفض القتال الواسع، لكنها لم تنتج آلية معلنة تفصل بصورة فورية وملزمة في المسؤولية عن كل حادث، أو تحدد لكل طرف مقدار القوة التي يستطيع استخدامها بعده. ويركز المسار السياسي الجاري بصورة أساسية على انسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا، وانتشار الجيش اللبناني، والتحقق من نزع سلاح المجموعات المسلحة، فيما تبقى الحوادث الميدانية قادرة على تعطيل هذا المسار أو إبطائه، كما حصل عندما تزامن تصعيد مجدل زون مع جولة المحادثات في روما.
هدنة تتغير قواعدها من الداخل
هنا يظهر الخطر الأكبر على وقف إطلاق النار. فالهدنة لا تحتاج بالضرورة إلى الانهيار في يوم واحد حتى تفقد جزءًا من وظيفتها. يمكن أن تبقى قائمة رسميًا بينما تتسع تدريجيًا المساحة التي يُسمح فيها باستخدام القوة: ضربة محدودة تتحول إلى سلسلة غارات، موقع حدودي يؤدي إلى قصف في العمق، وحادثة لم تُحسم مسؤوليتها تتحول إلى أساس لعملية عسكرية واسعة.
نجحت ترتيبات حزيران في وقف الحرب المفتوحة التي سبقتها وخفضت مستوى العنف بوضوح، لكن أحداث السبت أظهرت أن الفاصل بين "الرد" والجولة العسكرية ما زال بلا حدود متفق عليها. وإذا أصبح المعيار الوحيد لنجاح الهدنة هو ألا يعود الطرفان إلى حرب شاملة، يمكن أن تنشأ تحت سقفها مساحة واسعة من العنف المتبادل لا تسقط الاتفاق رسميًا ولا تحقق الغاية الأصلية من وقف النار.
عندها، لا يعود السؤال فقط عمّن خرق الهدنة أولًا، أو ما إذا كان وقف إطلاق النار قد انتهى. السؤال الأصعب هو: كم من الحرب يستطيع وقف إطلاق النار أن يحتوي داخله، قبل أن يصبح الاسم الذي يحمله مختلفًا عن الواقع الذي يعيشه الجنوب؟.























































