لم يكن قانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب اللبناني في 12 آب 2026 مجرد بند إضافي على جدول أعمال جلسة تشريعية مزدحمة. فلبنان الذي لم يعرف قانونًا مماثلًا منذ عام 1991، وجد نفسه أمام تشريع يلامس واحدة من أكثر المناطق حساسية في حياته السياسية: العلاقة بين العدالة والمصالحة، وبين حق الدولة في العقاب وحق الإنسان في ألا يتحول فشل المؤسسات إلى عقوبة مفتوحة. ولهذا كان الجدل حول القانون أكبر من مواده نفسها. خلف النقاش عن السجون والموقوفين والمحكومين ظهرت ملفات الجيش، والإسلاميين، والمخدرات، والضحايا، والطوائف، وذاكرة الحرب، وهي كلها قضايا لم تنضج داخل دولة مستقرة تسمح بفصل القانون عن السياسة.
على الورق، ينطلق القانون من مبرر يصعب رفضه. الأسباب الموجبة تتحدث عن اكتظاظ السجون، وطول أمد التوقيف الاحتياطي، وتعطّل المحاكم، وتأجيل الجلسات، وتأخر صدور الأحكام، وتراكم الملفات بسبب أزمات سياسية ودستورية وأمنية أصابت الدولة والقضاء معًا. ويذهب النص إلى حد القول إن التوقيف الذي يطول بصورة مفرطة يمكن أن يتحول من تدبير احتياطي إلى عقوبة فعلية، بما يمس قرينة البراءة والحق في الحرية والأمان الشخصي.
هذه الحجة قوية، وهي ليست اختراعًا لبنانيًا. السجن قبل المحاكمة ليس بديلًا من المحاكمة، والدولة لا تستطيع أن تطلب من المواطن احترام القضاء ثم تترك ملفه عالقًا سنوات بسبب عجزها عن إدارة المحاكم. من هذه الزاوية، فإن القانون يصيب مشكلة حقيقية، وقد يكون إنسانيًا في جزء منه، خصوصًا بالنسبة إلى موقوفين طالت مدة احتجازهم من دون حسم أوضاعهم.
لكن المشكلة تبدأ عند السؤال التالي: هل يكون علاج بطء القضاء بإسقاط مفاعيله، أم بإصلاح القضاء الذي تسبب فيه؟
المشرّع نفسه يدرك أن العفو ليس علاجًا دائمًا، إذ تقول الأسباب الموجبة صراحة إن الإجراء «استثنائي ومؤقت»، وإنه ليس بديلًا من إصلاح القضاء والسجون. هذه الجملة بالذات هي مفتاح قراءة القانون كله. فإذا بقيت الإدارة القضائية على حالها، وظلت التوقيفات تتراكم، واستمرت المحاكم في التأجيل، فإن العفو الحالي لن يكون أكثر من تفريغ مؤقت للسجون تمهيدًا لعودة المشكلة نفسها.
النص نفسه يكشف أنه ليس عفوًا عامًا بالمعنى البسيط الذي يوحي به العنوان. إنه خليط من إسقاط للدعوى العامة، ومحو للعقوبات الأصلية، وإسقاط لبعض الملاحقات والأحكام، وتخفيض لمدد عقوبات أخرى، وتسويات تتعلق بالغرامات والتوقيف الطويل. المادة الأولى تمنح عفوًا عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026 وتقرر سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية في الجرائم المشمولة. ثم تأتي المادة الثانية لتبني جدارًا طويلًا من الاستثناءات.
ومن هنا تظهر المفارقة الأولى: كلما قرأ المرء قائمة الاستثناءات، بدا القانون أكثر تحفظًا؛ وكلما قرأ المادة الثالثة، بدا أكثر اتساعًا. فالجرائم المحالة إلى المجلس العدلي مستثناة، وكذلك القتل عمدًا أو قصدًا بحق المدنيين أو العسكريين وعناصر القوى الأمنية، والجرائم الإرهابية المشمولة بقانون 1958، وبعض الجرائم العسكرية والشائنة والخيانة والتجسس والتعامل مع العدو. كما تستثني المادة جرائم المال العام، والتزوير، وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والجرائم الجنسية والاتجار بالبشر والتعذيب وغيرها.
وهذه في ذاتها نقطة قوة لا ينبغي إنكارها. فالقانون لم يذهب إلى عفو أعمى يمحو كل شيء. بل حاول التمييز بين جرائم يمكن للمشرّع أن يراها قابلة للمعالجة الاستثنائية وجرائم ذات خطورة بالغة على الأمن والمجتمع وحقوق الضحايا. كما أن الإبقاء على الحق الشخصي في التعويض، وفق شروط المادة الرابعة، يوفر حدًا أدنى من الاعتراف بحقوق المتضررين، فلا يسقط العفو بالضرورة كل أثر مدني للجريمة.
لكن، في المقابل، فإن المعالجة تصبح أكثر تعقيدًا في المادة الثالثة. فالعفو الكامل لا يشمل الجرائم المستثناة، لكن القانون يخفض عقوبات الجرائم الأخرى بنسبة الثلث، ويحوّل الإعدام إلى 28 سنة، والمؤبد إلى 17 سنة، مع قواعد خاصة للقتل المقترن بظروف مشددة. وهذه المادة تعني عمليًا أن السؤال لم يعد فقط: «من شمله العفو؟»، بل أيضًا: «من خُفّضت عقوبته، ولماذا، وإلى أي مدى؟».
هنا بالضبط يمكن أن ينشأ الجدل حول عدد من الملفات الإسلامية المتشددة التي احتلت واجهة النقاش السياسي. فالقانون لا يقول ببساطة إن «الإسلاميين» مشمولون بالعفو، كما لا يقول إنهم مستثنون جميعًا. معيار الاستفادة هو الجريمة التي أدين أو اتهم بها الشخص، وتكييفها القانوني، ومرحلة المحاكمة، ومدى انطباق الاستثناءات أو أحكام تخفيض العقوبة. ولذلك فإن اختزال القانون في عبارة «عفو عن الإسلاميين» يختصر مسألة قانونية معقدة في شعار سياسي.
لكن الشعار لم يأتِ من فراغ. فقد أظهرت التقارير التي سبقت الإقرار أن ملف الموقوفين الإسلاميين كان العقدة الأكثر حساسية، وأن اسم الشيخ أحمد الأسير كان في قلب الخلاف، فيما بقيت قضية الاستفادة الفعلية للمحكومين المختلف عليهم موضع نقاش بحسب طبيعة الأحكام والجرائم. وبعد إقرار القانون، تحدثت تقارير عن إمكان استفادة 86 موقوفًا إسلاميًا من الإفراج، في وقت ظل فيه ملف الأسير تحديدًا موضع جدل.
وهنا لا تعود القضية قانونية بحتة. بالنسبة إلى الجيش وعائلات العسكريين الذين قتلوا في مواجهات عبرا، لا يُنظر إلى الملف من زاوية «موقوفين تأخر القضاء في محاكمتهم» فقط. هناك ذاكرة دم، واعتقاد بأن بعض المحكومين ارتكبوا جرائم ضد مؤسسة يفترض أن تكون فوق الاصطفاف السياسي. ولذلك فإن أي قانون يبدو أنه يخفف العقوبة عن بعض المشاركين في تلك الأحداث، حتى إذا كان لا يشمل جرائم القتل المستثناة صراحة، يمكن أن يُفهم باعتباره مساسًا بمعنى العدالة الذي تنتظره عائلات الضحايا.
وهنا تكمن إحدى أضعف نقاط القانون: الفصل بين الدقة القانونية والانطباع العام. قد يكون النص أكثر تحفظًا مما يوحي به الخطاب السياسي، لكنه لم يمنع نشوء انطباع واسع بأن العفو جاء نتيجة مساومات طائفية. وفي التشريع المرتبط بجرائم سياسية وأمنية، لا يكفي أن يكون النص قابلًا للدفاع عنه قانونيًا؛ يجب أن يكون واضحًا إلى الحد الذي يمنع انهيار الثقة به.
والخلفية التاريخية تزيد الحساسية. آخر عفو عام واسع يعود إلى قانون 84/91 الذي جاء بعد الحرب اللبنانية، وشمل الجرائم المرتكبة خلال الحرب حتى 28 آذار 1991، مع آليات استثنائية لاحقة سمحت بعفو خاص عن بعض الجرائم المستثناة. ويظل ذلك القانون مرتبطًا في الذاكرة اللبنانية بمشكلة أوسع: إغلاق ملفات الحرب من دون إنشاء مسار متكامل للعدالة والمحاسبة.
القانون الحالي مختلف في ظروفه ونطاقه، لكن التشابه السياسي ليس قليلًا: كلما عجز النظام اللبناني عن تسوية الملفات عبر قضاء طبيعي، يعود إلى التشريع الاستثنائي كوسيلة لإغلاق الأزمة. وهذه ليست سابقة لبنانية منفردة. ففي الولايات المتحدة، ارتبط العفو الجماعي تاريخيًا بظروف سياسية واستثنائية، ومنها عفو ما بعد الحرب اللبنانية عن قطاعات واسعة من المشاركين في التمرد، وعفو الرئيس جيمي كارتر عن عدد كبير من متهربي التجنيد خلال حرب فيتنام. ويعرّف الفقه الدستوري الأميركي العفو العام عادة باعتباره أداة موجهة إلى فئة أو جماعة لا إلى فرد بعينه، خصوصًا في الجرائم ذات الطابع السياسي.
لكن الفارق المهم أن استخدام العفو في الدول المستقرة يكون غالبًا جزءًا من قرار سياسي معلن له هدف محدد: إنهاء نزاع، أو إغلاق صفحة حرب، أو معالجة أثر سياسة عامة سابقة. أما في لبنان، فإن الخطر هو أن يتحول العفو إلى بديل متكرر عن إصلاح المؤسسات.
والنموذج الإيطالي أكثر دلالة من هذه الزاوية. فالدستور الإيطالي يشترط أن يمنح العفو العام أو الإعفاء من العقوبة بقانون يُقر بأغلبية الثلثين في كل من مجلسي البرلمان، في كل مادة وفي التصويت النهائي، ويحدد القانون مهلة تطبيقه، ولا يمكن أن يمتد إلى الجرائم المرتكبة بعد تقديم مشروع القانون. الفكرة هنا ليست أن الأغلبية البرلمانية ممنوعة من التشريع، بل أن العفو، بسبب أثره على العدالة، يحتاج إلى درجة عالية من التوافق السياسي.
أما فرنسا، فقد استخدمت قوانين العفو في فترات مختلفة، لكنها وضعت داخل هذه القوانين تحديدات دقيقة للفئات والجرائم والآثار، وربطت بعض صيغ العفو بشروط موضوعية لا بمجرد الانتماء السياسي. ويظهر قانون العفو الفرنسي لعام 2002، مثلًا، أنه فصل بين العفو القانوني والعفو بقرار فردي، وحدد الجرائم المستثناة والفئات التي يمكن أن تستفيد. كما ينص على آثار قانونية دقيقة للعفو وعلى عدم إمكان إعادة استخدام الحكم المستفيد من العفو في حالات معينة.
المقارنة تكشف أن المشكلة اللبنانية ليست في مبدأ العفو نفسه. العفو أداة معروفة في الأنظمة الدستورية. المشكلة في البيئة التي يُستخدم فيها. عندما يكون القضاء بطيئًا، والسجون مكتظة، والحدود بين السياسي والأمني والطائفي رخوة، يمكن أن يصبح العفو أداة لحل أزمة اليوم فيما يزرع أزمة الغد.
وهناك جانب إيجابي آخر في القانون ينبغي عدم إغفاله. المادة الخامسة تعالج بصورة استثنائية من تجاوز توقيفه 12 سنة من دون حكم، وتفرض إخلاء سبيله حُكمًا مع استمرار المحاكمة وفق الأصول. هذه المادة، إذا طُبقت بصورة منضبطة، تقول شيئًا مهمًا عن مسؤولية الدولة: لا يجوز أن يبقى الإنسان في السجن بلا أفق لأن المحكمة لم تنجز عملها.
لكن هذا العلاج يطرح سؤالًا آخر: لماذا وصل الموقوف أصلًا إلى 12 سنة من دون حكم؟ ومن يحاسب الإدارة التي سمحت بذلك؟ إذا كان القانون يفرج عن الموقوف، لكنه لا يفرض إصلاحًا يضمن ألا يتكرر الأمر، فالمشكلة ستعود.
في نهاية المطاف، يبدو القانون أقرب إلى تسوية استثنائية بين حاجتين متعارضتين: حاجة حقيقية إلى تفريج أزمة السجون والتوقيف الطويل، وحاجة سياسية إلى إقفال ملفات حساسة تراكمت على مدى سنوات. قوته أنه حاول وضع استثناءات واضحة وحماية بعض حقوق الضحايا، وضعفه أنه لم يستطع أن يقنع اللبنانيين بأن هذه الاستثناءات وُضعت وفق معيار قانوني واحد لا وفق توازنات القوى.
وهذا هو الاختبار الأصعب.
فالعفو العام يمكن أن يعيد الحرية إلى شخص ظُلم بسبب تأخر القضاء، ويمكن أن يخفف عن الدولة عبء سجون انهارت قدرتها على الاستيعاب. لكنه إذا منح انطباعًا بأن الدم والحق والعدالة تخضع كلها لميزان السياسة، فسوف يدفع ثمنه القانون نفسه، لا السجناء وحدهم.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل كان ما أقره البرلمان خطوة اضطرارية لمعالجة خلل قضائي وإنساني، أم بداية جديدة لعلاقة لبنانية قديمة بين العفو والتسوية السياسية؟
الإجابة لن يوفرها نص القانون وحده. ستحددها طريقة تطبيقه، وهوية المستفيدين الفعليين منه، وما إذا كانت الدولة ستفعل ما وعدت به في أسبابه الموجبة: إصلاح القضاء والسجون حتى لا يصبح العفو، مرة أخرى، علاجًا مؤقتًا لمرض مزمن.




















































