المشكلة الكبرى في أي قانون للإعلام تُكتب مواده اليوم أن التكنولوجيا لا تنتظر انتهاء المشرّع من عمله. وبينما يناقش البرلمان تعريف الصحافي والمؤسسة والمنصة، يكون المشهد الإعلامي قد انتقل خطوة أخرى إلى الأمام. وهذه ليست استعارة بل واقع يفرض نفسه على لبنان كما على معظم دول العالم.
فالخبر لم يعد يبدأ بالضرورة في غرفة أخبار تقليديّة. قد يولد من هاتف مواطن، ينتشر عبر منصة اجتماعية، يتحول إلى فيديو قصير، ثم تتولاه مؤسسة إعلامية للتحقق منه ونشره، قبل أن تعيد منصة أخرى إنتاجه باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وفي بعض الحالات قد لا يكون واضحًا للجمهور أصلًا من كتب النص، أو صنع الصورة، أو عدّل الصوت، أو قرر خوارزميًا أي محتوى يستحق الانتشار.
من هنا تصبح قيمة اقتراح قانون الإعلام اللبناني الجديد مرتبطة بقدرته على الإجابة عن سؤال يتجاوز الماضي: من هو الإعلامي الذي يحميه القانون عندما تتغير الوسيلة؟
الأسباب الموجبة للاقتراح تعترف أصلًا بهذه المشكلة. فهي تشير إلى أن التشريعات القائمة عجزت عن مواكبة التحولات في الإعلام الإلكتروني والرقمي، وأن اختلاف الوسيلة أدى إلى اختلاف التعامل القضائي مع أفعال متشابهة، كما تؤكد الحاجة إلى تعريفات دقيقة للصحافي المهني، والمحتوى الصحافي، والمنصة، والمدوّن، والوسيلة الإعلامية الرقمية. هذه بداية صحيحة، وربما تكون من أهم نقاط القوة في المشروع.
لكن الاعتراف بالمشكلة لا يعني بالضرورة أنّ الحل اكتمل.
البيئة الرقمية تحتاج أولًا إلى قاعدة بسيطة: لا ينبغي أن تتغير الحماية القانونية لمجرد تغير الوسيلة. فإذا كان الفعل صحافيًا مهنيًا، فمن غير المنطقي أن تتراجع الحماية لأن الصحافي نشر مادته عبر موقع إلكتروني بدل صحيفة ورقيّة، أو عبر بث رقمي بدل قناة تقليدية. وفي المقابل، لا ينبغي أن يُمنح كل حساب شخصي صفة المؤسسة الإعلاميّة لمجرد أنه يملك جمهورًا كبيرًا.
المطلوب إذًا هو التمييز بين العمل الإعلامي المهني وبين حرية التعبير الفردية، من دون خلق جدار يفصل الواقعين عن بعضهما. وهذه نقطة تحتاج إلى صياغة دقيقة، لأنّ العالم الرقمي جعل الصحافي والمواطن والمنصة يتحركون في فضاء واحد.
الأهم أن هذا الفضاء لم يعد خاضعًا بالكامل للقانون اللبناني. فالمؤسسة قد تكون لبنانية، لكن منصتها الرقمية أجنبية، وخوادمها خارج البلاد، وإعلاناتها تمر عبر شركات عالميّة، وخوارزمياتها تضع قواعد الوصول إلى الجمهور. وهذا يخلق سؤالًا جديدًا لم يعرفه قانون المطبوعات القديم: ما حدود سلطة الدولة عندما أصبحت عملية توزيع الخبر بيد شركات تكنولوجيا عابرة للحدود؟
هنا تقدم التجربة الأوروبية درسًا مهمًا. فقانون حرية الإعلام الأوروبي لا يتعامل مع الإعلام باعتباره مجرد محتوى، بل يهتم باستقلال التحرير، وشفافية الملكية والتمويل، والتعددية، والعلاقة بين وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وحماية البيئة التي يستطيع فيها الإعلام أداء وظيفته باستقلاليّة.
وهذا المنظور مهم للبنان. فالمؤسسة الإعلاميّة قد تكون حرّة قانونيًا، لكن إذا أصبحت مداخيلها ووصول أخبارها إلى الجمهور تحت رحمة خوارزميّة منصّة أو جهّة إعلانيّة واحدة، فإنّ استقلالها يصبح مهددًا بطريقة مختلفة.
وهنا تبرز الملكيّة والتمويل. قانون الإعلام الحديث لا ينبغي أن يسأل فقط: هل نشر الصحافي هذه المعلومة بصورة قانونيّة؟ بل يجب أن يسأل أيضًا: من يملك المؤسسة؟ من يموّلها؟ هل توجد مصالح تجارية أو سياسية تؤثر في خطّها؟ هل يعرف الجمهور المستفيد الحقيقي من الملكيّة؟ وكيف يتم التعامل مع الإعلان السياسي والإعلان الحكومي؟
هذه المسائل ليست بعيدة عن حرية الصحافة؛ بل هي جزء منها. الصحافي الذي لا يخضع للرقابة الرسمية لكنه يعمل في مؤسّسة تعتمد ماليًا على طرف واحد قد يواجه نوعًا آخر من الرقابة.
ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة من التعقيد. فمن يملك المسؤوليّة عندما يتم إنشاء نص بواسطة نموذج آلي ثم ينشره محرر؟ ومن المسؤول عندما تستخدم المؤسسة صورة مولدة اصطناعيًا ويُعتقد أنها حقيقية؟ وما القواعد عندما يتم تركيب صوت أو فيديو لشخصيّة عامة بطريقة تجعل الجمهور يعتقد أن الشخص قال ما لم يقله؟
لا يحتاج لبنان بالضرورة إلى قانون منفصل للذكاء الاصطناعي داخل قانون الإعلام، لكن قانون الإعلام يجب أن يتضمن على الأقل مبادئ واضحة: واجب التحقق، الإفصاح عن المحتوى الاصطناعي عندما يكون من شأنه تضليل الجمهور، حماية الهوية والصورة، وتحديد المسؤولية وفق دور كل طرف في إنتاج المادة ونشرها.
والأهم ألا يقع المشرّع في خطأ تحميل الصحافي وحده كل المسؤولية عن سلسلة إنتاج أصبحت متعددة الأطراف. هناك فرق بين صحافي نشر خبرًا كاذبًا عن قصد، ومحرّر استخدم أداة آلية لتلخيص بيان ثم راجعه مهنيًا، ومنصّة أعادت توزيع المادّة وفق خوارزميّة لم يملك الصحافي أيّ سلطة عليها.
المسؤوليّة يجب أن ترتبط بالفعل والسيطرة والقصد والواجب المهني، لا بمجرد وجود المحتوى.
وهذا مهم أيضًا في مكافحة التضليل. فالاقتراح الجديد يتضمن في المادة 104 عقوبة الحبس على من يتعمد «اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية»، وهي من أكثر النقاط التي أثارت اعتراضات حقوقيّة ونقابيّة، إذ اعتُبرت العبارة واسعة وقابلة لتفسيرات متعددة. والمفارقة أنّ التكنولوجيا تجعل مكافحة التضليل أكثر ضرورة، لكنها في الوقت نفسه تجعل تعريف «الخبر الكاذب» أكثر تعقيدًا.
فالخطأ الصحافي ليس دائمًا كذبة. والتوقع الخاطئ ليس خبرًا كاذبًا. والتحليل الذي يتبين لاحقًا أنه غير دقيق ليس بالضرورة تضليلًا. وحتى الصحافي المهني يمكن أن يخطئ رغم بذله جهدًا معقولًا للتحقق.
لذلك يجب أن يركز القانون على القصد والمعيار المهني والضرر الفعلي. أما الخبر الكاذب الذي يترتب عليه ضرر مدني فيمكن التعامل معه عبر التصحيح وحق الرد والتعويض، بينما تُترك العقوبة الجزائية لأشد الحالات خطورة، حيث تتوافر عناصر محددة وواضحة.
في هذا السياق، يصبح حق التصحيح أكثر أهميّة من أي وقت مضى. ففي البيئة الرقميّة تنتشر المعلومة الخاطئة خلال دقائق، بينما قد تأتي عملية التصحيح بعد أيام. ولذلك يجب ألا يكتفي القانون بتحديد الحق، بل يجعل الوصول إليه سريعًا وفعالًا، ويعطي المحكمة صلاحيات تسمح بإزالة الأثر الضار أو تصحيح المعلومات ضمن شروط واضحة، من دون تحويل ذلك إلى أداة للرقابة المسبقة.
وتتصل بهذه المسألة أيضًا حماية المصادر. فالمشروع يتضمن حماية متقدمة نسبيًا، إذ تمتد الحماية إلى الأجهزة الإلكترونيّة والمستندات والمراسلات المتعلقة بعمل الإعلامي، ولا يجوز التفتيش أو الحجز أو كشف المصادر إلا بشروط قضائيّة استثنائيّة تتصل بالإرهاب أو بخطر محدق على حياة الأشخاص. وهذه الحماية أصبحت أكثر أهمية في الزمن الرقمي، لأن الهاتف والحاسوب لم يعودا مجرد أدوات عمل؛ إنهما قد يحتويان على كامل شبكة مصادر الصحافي وملفاته واتصالاته.
لكن الحماية الرقمية للصحافي يجب أن تكون أوسع من سرية المصادر. يجب أن تشمل أيضًا حماية الحسابات المهنية، والملفات السحابية، وأمن الاتصالات، وعدم استخدام أدوات المراقبة ضد الصحافي لمجرد قيامه بعمله. وفي عصر تتطور فيه أدوات التجسس الرقمي بسرعة، قد تكون حماية الجهاز جزءًا من حماية المصدر نفسه.
وهناك قضية أخرى ستكبر سريعًا: العاملون في المنصات. فالاقتراح يتحدث عن الإعلام الإلكتروني والمواقع والمنصات، لكن البيئة المهنية لا تتوقف عند المؤسسات المسجلة. هناك صحافيون مستقلون، منتجو برامج رقمية، صناع فيديو إخباري، مقدمو بودكاست، مراسلون يعملون لحسابهم، ومصورون يعتمدون على منصات رقمية لتوزيع إنتاجهم.
هل يحصل هؤلاء على الحماية نفسها؟ ومتى يصبح النشاط الرقمي نشاطًا إعلاميًا مهنيًا؟ وهل يجب أن تكون الحماية مرتبطة بامتلاك ترخيص أو مؤسسة، أم بطبيعة العمل الذي يقوم به الشخص؟
الأجدى، في رأيي، هو عدم ربط الحماية بواجهة الوسيلة. فإذا كانت الحماية قائمة على ترخيص المؤسسة فقط، سنحمي المؤسسات القائمة ونتجاهل جزءًا كبيرًا من الإعلام الجديد. أما إذا أصبحت كل صفحة إلكترونية «مؤسسة إعلامية»، فسيفقد القانون القدرة على التمييز بين الصحافة المهنية والنشر الشخصي.
الحل يكمن في تعريف وظيفي للإعلام: من يمارس بصورة مهنيّة ومنتظمة نشاط جمع المعلومات والتحقق منها وإنتاجها ونشرها للجمهور بهدف الإخبار أو التفسير أو التحقيق، مع إخضاعه لمعايير مهنية محددة، يمكن أن يدخل في نطاق الحماية المهنيّة، بصرف النظر عن الوسيلة التي يستخدمها.
أما صانع المحتوى الذي ينشر رأيًا شخصيًا، فيبقى محميًا بموجب حرية التعبير العامة، لكن من دون أن يمنح تلقائيًا جميع الامتيازات المهنية الخاصة بالصحافي.
وهنا يعود النقاش إلى النقابة. فإذا كان الإعلام الجديد جزءًا من المهنة، فلا يمكن إبقاء العاملين فيه خارج التمثيل المهني. النقابة الواحدة ذات القطاعات المتخصصة، التي تناولها التقرير السابق، يمكن أن تكون إحدى الإجابات عن هذه المعضلة، لأنّها تسمح باستيعاب أشكال العمل الجديدة من دون إنشاء نقابة مستقلة لكل منصة أو وسيلة.
لكن التكنولوجيا لا تطرح مشكلة قانونية فقط، بل مشكلة اجتماعيّة واقتصاديّة أيضًا. فالعمل الإعلامي أصبح أكثر اعتمادًا على العقود القصيرة والعمل الحر، وهو ما أشارت منظمة العمل الدولية إلى أنه قد يضعف الوصول إلى الحماية الاجتماعية والتفاوض الجماعي إذا لم تُبنَ له أطر مناسبة.
وهذا يعيدنا إلى التقرير الأول من هذه السلسلة: لا يمكن أن يكون الصحافي حرًا في البيئة الرقمية إذا كان يعمل بلا عقد، ومن دون حماية اجتماعية، وتحت ضغط الخوارزميّة والمؤسسة في آن واحد.
التحدي إذًا أمام القانون اللبناني أكبر من إضافة فصل عن المواقع الإلكترونية. المطلوب بناء تشريع محايد تكنولوجيًا، يحمي الوظيفة الصحافيّة أينما مورست، وينظم المؤسّسة الرقميّة من دون أن يقتل الابتكار، ويضع مسؤولية واضحة ومتناسبة، ويحمي المصادر والأجهزة، ويأخذ الذكاء الاصطناعي في الاعتبار، ويضمن شفافية الملكية والتمويل.
وهنا ينبغي ألا ينسى المشرّع أن التكنولوجيا لا تعني إلغاء الصحافة. العكس هو الصحيح: كلما أصبح إنتاج المعلومات أسهل، أصبحت الحاجة إلى الصحافي المهني أكبر. ففي بحر من المحتوى الاصطناعي والمعلومات السريعة، تزداد قيمة من يتحقق، ويسأل، ويقارن، ويضع الخبر في سياقه.
القانون الذي ينجح في حماية الصحافة اللبنانية في السنوات المقبلة لن يكون القانون الذي يفرض أكبر عدد من القيود، ولا الذي يترك المجال الرقمي بلا قواعد. سيكون القانون الذي يعرف ما الذي يجب تنظيمه، وما الذي يجب تركه للحرية، ومن الذي يجب أن يتحمل المسؤولية، وكيف يمكن حماية الصحافي من دون تحويل الحماية إلى رقابة.
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي قانون إعلام يولد في عصر لم تعد فيه الصحيفة مبنى، ولا القناة شاشة، ولا الصحافي مجرد موظف يحمل بطاقة مهنيّة. الإعلام أصبح شبكة كاملة، والقانون الذي لا يرى هذه الشبكة سيولد متأخرًا، مهما بدا حديثًا عند صدوره.






















































