لم تنتهِ قصة قانون العفو العام اللبناني في اللحظة التي ضغط فيها النواب على زر التصويت. ربما العكس هو الصحيح. فالبرلمان أغلق بابًا تشريعيًا، لكنه فتح أبوابًا أخرى: باب الجيش الذي يشعر أن صوته لم يُسمع بما يكفي، وباب عائلات الضحايا التي لا ترى التعويض بديلًا من العدالة، وباب القوى السنية التي قرأت القانون باعتباره تصحيحًا لسنوات من التوقيف والملاحقة، وباب القوى الشيعية التي تعاملت مع ملفات المخدرات باعتبارها جزءًا أساسيًا من أي عفو، وباب القوى المسيحية التي ربطت أجزاء من النقاش بملفات الهاربين إلى إسرائيل. وهكذا صار القانون، بدل أن يكون أداة قانونية محدودة، مرآة جديدة للخريطة الطائفية اللبنانية.
قد يبدو هذا الحكم قاسيًا، لكن الوقائع السياسية المحيطة بالإقرار تدفع إليه. الصحافة الدولية وصفت القانون بأنه نتيجة مساومات طائفية، فيما أشارت التقارير إلى أن نوابًا سنة ضغطوا باتجاه الإفراج عن موقوفين إسلاميين، وسعى نواب شيعة إلى توسيع الاستفادة لتشمل ملفات المخدرات، بينما وجد فريق مسيحي في القانون فرصة لمعالجة قضايا مرتبطة بالفرار إلى إسرائيل بعد عام 2000. وفي المقابل، قاطع حزب الله وحلفاؤه جلسة الإقرار بحسب تقارير صحافية، فيما عبرت قيادة الجيش عن اعتراضها على آليات القانون وما قد يترتب عليها.
لكن اختزال هذه الصورة في «صفقة طائفية» سيكون تبسيطًا آخر. فهناك، خلف السياسة، مشكلة قضائية حقيقية لا يمكن إنكارها. لبنان يعاني منذ سنوات من اكتظاظ السجون، ومن تراكم ملفات، ومن موقوفين طالت مدد توقيفهم بصورة غير مقبولة. الأسباب الموجبة للقانون تتحدث بوضوح عن تأجيلات متكررة للمحاكمات وعن خلل مؤسساتي أثر في الانتظام القضائي.
المفارقة هي أن السبب الإنساني نفسه أصبح مدخلًا لتسوية سياسية. وهذه ليست مشكلة القانون فقط، بل مشكلة الدولة التي تركت الملفات تتضخم إلى درجة أصبح معها العفو أسهل من إصدار الأحكام.
في هذا السياق، يبدو ملف الإسلاميين أكثر من مجرد ملف أمني. إنه يختزن ذاكرة طائفة لبنانية واسعة شعرت، خلال سنوات، بأن بعض المناطق السنية تحولت إلى مساحة للملاحقة الأمنية والقضائية وأن ملف الموقوفين الإسلاميين استُخدم في السياسة أكثر مما عولج في المحاكم. من جهة أخرى، ترى عائلات العسكريين أن ما حدث في عبرا لم يكن قضية حقوق مدنية لمتهمين فحسب، بل اعتداءً على الجيش وسقوطًا لجنود لبنانيين في مواجهة مسلحة.
هاتان الروايتان لا تتعايشان بسهولة.
الأولى تقول إن العدالة تأخرت إلى حد الظلم، وإن الموقوف الذي لم يحاكم في الوقت المعقول لا ينبغي أن يبقى ضحية لتعطل الدولة. والثانية تقول إن الدولة لا تستطيع أن تجعل ضعفها الإداري حجة لتخفيف الحساب في جرائم تمس حياة جنودها وهيبتها.
والحقيقة أن كلا المنظورين يحمل شيئًا من الصواب. ولهذا كان القانون يحتاج، أكثر من أي وقت، إلى خطاب رسمي شديد الوضوح يشرح الفوارق بين من يستفيد من العفو ومن لا يستفيد، وبين إسقاط الدعوى، وتخفيض العقوبة، وإخلاء السبيل بسبب طول التوقيف. لكنه لم ينجح في منع الغموض السياسي الذي أحاط به.
المادة الثانية، في نصها، واضحة في استثناء القتل العمد أو القصدي بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية، وكذلك الجرائم المنصوص عليها في قانون الإرهاب لعام 1958. لكن المادة الثالثة تخفض عقوبات الجرائم التي لا يشملها العفو الكامل، فيما تبقى بعض ملفات الأشخاص موضع نقاش بحسب التكييف القانوني للأفعال والأحكام الصادرة فيها.
وهذا التعقيد هو ما سمح لكل طرف بقراءة القانون كما يريد.
فالمؤيد يستطيع أن يقول إن «القتلة والإرهابيين» مستثنون. والمعارض يستطيع أن يقول إن بعض المحكومين في ملفات أمنية سيستفيدون من تخفيض العقوبات. وكل منهما قد يجد في النص ما يسند حجته جزئيًا.
وإذا كان هذا الوضع قابلًا للفهم عند دراسة القانون، فإنه خطر سياسيًا، لأن القوانين التي تمس ذاكرة الحرب والعنف تحتاج إلى وضوح أكبر لا إلى تأويلات متنافسة.
أكثر ما يلفت في هذه القضية هو موقف المؤسسة العسكرية. فقد خرج وزير الدفاع ميشال منسى بعد الإقرار محتجًا على عدم تمكين الجيش من إبداء رأيه، وقال إن المؤسسة «أُسكتت» و«تم تجاهلها»، معتبرًا أن الأمر لم ينتهِ عند إقرار القانون. وكانت تقارير قد أشارت قبل التصويت إلى اعتراض الجيش على استفادة أشخاص متهمين بقتل عسكريين، وإلى أن هذا الاعتراض كان من أكثر العوامل التي جعلت الملف متفجرًا.
لا ينبغي قراءة موقف الجيش باعتباره مطالبة بسلطة فوق البرلمان. المؤسسة العسكرية لا تملك وظيفة تشريعية، والقرار النهائي في العفو العام يعود إلى السلطة التي منحها الدستور هذه الصلاحية. لكن تجاهل رأي المؤسسة المعنية مباشرة بجرائم الاعتداء على العسكريين يحمل كلفة سياسية ورمزية. الجيش لا ينظر إلى العفو باعتباره مجرد ملف نزلاء؛ إنه ينظر إليه أيضًا من زاوية الردع.
وهنا يظهر أحد المخاطر الأمنية في القانون: الرسالة التي يتلقاها من قاتل في صفوفه، ومن جندي في الخندق، ومن عائلة فقدت ابنًا في معركة. فالدولة التي تريد من العسكري أن يخاطر بحياته دفاعًا عن القانون يجب أن تكون حذرة جدًا في الصورة التي تقدمها عن قيمة العقوبة عندما يكون الاعتداء موجهًا إلى المؤسسة نفسها.
لكن في الاتجاه الآخر، لا تستطيع الدولة أن تقول للجندي إن «هيبة الجيش» تبرر إبقاء شخص في السجن بلا محاكمة. هيبة الجيش لا تُبنى بتعليق حقوق الإنسان، بل بتطبيق القانون بعدالة. ولذلك ينبغي عدم وضع العدالة في مواجهة المؤسسة العسكرية. المطلوب أن يحصل الجندي على العدالة، والمتهم على المحاكمة العادلة، والضحية على حقه، والدولة على هيبتها من خلال القضاء.
هذا هو الجزء الذي غاب عن النقاش السياسي في لبنان: العدالة ليست لعبة محصلتها صفر.
الزاوية الأخرى التي تستحق التوقف عندها هي الضحايا. المادة الرابعة تُبقي حق النظر في الحقوق الشخصية الناتجة عن الجرم المشمول بالعفو في ظروف محددة، وتسمح بالمطالبة بالتعويض أمام القضاء. وهذا من نقاط القوة القانونية في النص.
لكن التعويض ليس مساويًا دائمًا للعدالة.
عائلة فقدت ابنًا في هجوم مسلح قد تحصل، نظريًا، على حق مدني، لكن ذلك لا يعيد لها الشعور بأن الدولة قالت إن ما حدث كان جريمة وأن مرتكبها حوسب عليها. ولذلك فإن ترك الحق الشخصي مفتوحًا مهم، لكنه لا يحل وحده الأزمة الأخلاقية التي يثيرها العفو.
وهنا يمكن أن نتعلم من التجارب التاريخية. العفو الأميركي الجماعي استُخدم في مراحل انتقالية مثل ما بعد الحرب اللبنانية، لكنه كان مرتبطًا بسياقات محددة لإنهاء صراع سياسي واسع، وكانت هناك أيضًا فئات مستثناة من نطاق العفو. كما أن الدستور الأميركي يفرق بين السلطة الرئاسيّة في العفو الفردي والعفو العام الموجه إلى فئات.
أما إيطاليا، فقد اختارت أن تجعل العفو والإعفاء من العقوبة شأنًا يحتاج إلى أغلبية ثلثي أعضاء كل من مجلسي البرلمان، وهو شرط يعكس حجم التحفظ الذي يمكن أن يرافق تشريعًا يمس الأحكام الجنائية على نطاق واسع.
وفي فرنسا، تظهر قوانين العفو الحديثة ميلًا إلى تحديد الفئات والجرائم والآثار بصورة دقيقة، بدل ترك الاستفادة قائمة على صياغة عامة. ويكشف قانون 2002، مثلًا، عن تمييز واضح بين العفو العام والعفو الفردي، مع قائمة من الاستثناءات والشروط.
المقارنة هنا ليست لإثبات أن النموذج اللبناني «خطأ» لأن فرنسا أو إيطاليا تستخدمان آلية مختلفة. لكل دولة نظامها الدستوري وتاريخها. المقارنة تكشف فقط مسألة مهمة: العفو في التجارب المستقرة يُحاط عادةً بدرجة عالية من التحديد، لأن أثره يتجاوز الشخص إلى معنى العدالة العامة.
في لبنان، الأخطر هو أن يتحول العفو إلى أداة لإدارة الأزمات الطائفية. فإذا كان كل فريق يدخل إلى القانون طالبًا «حصته» من الملفات، فقد يصبح التشريع نفسه امتدادًا لمنطق المحاصصة. اليوم إسلاميون، وغدًا مطلوبون في المخدرات، وبعده ملفات سياسية أو أمنية أخرى. وعندها يتغير السؤال من «هل يستحق هذا الشخص العفو؟» إلى «ماذا سيحصل عليه فريقي إذا حصل الفريق الآخر على مكسبه؟».
وهذا الطريق خطر على دولة القانون حتى لو نتج عنه في كل مرة بعض المظلومين الذين يستحقون المعالجة.
هناك أيضًا زاوية لم تنل ما يكفي من الاهتمام: إعادة التأهيل. ماذا سيحدث للسجناء الذين سيخرجون؟ هل توجد برامج لإعادة الدمج؟ هل توجد متابعة نفسية واجتماعية؟ هل توجد رقابة عند الحاجة لمن شملتهم أحكام ذات طابع عنيف؟ وهل هناك سياسة لمنع العودة إلى الجريمة؟
في ملفات التطرف تحديدًا، لا يكفي فتح باب السجن. الدولة مطالبة بأن تسأل ماذا سيحدث في اليوم التالي. إذا خرج شخص يحمل الفكر نفسه الذي أدخله إلى السجن، ولم يجد أمامه سوى البطالة والتهميش والشعور بالانتقام، فقد يتحول العفو من فرصة للدمج إلى فرصة لإعادة إنتاج الأزمة.
وهذه النقطة غائبة تقريبًا عن قانون يكثر من الحديث عن الإفراج ولا يقدم في مواده الأساسية برنامجًا لإعادة الإدماج. وهذه ثغرة لا تقل أهمية عن الجدل حول عدد المستفيدين.
والزاوية الأخرى هي أثر القانون على ثقة الناس بالقضاء. إذا شعر اللبناني أن الحكم القضائي يمكن أن يُمحى لاحقًا بقرار سياسي، فقد يفقد القضاء جزءًا من هيبته. وقد تقول الدولة إن العفو حق دستوري للبرلمان، وهذا صحيح، لكن شرعية الاختصاص لا تعني أن الاستخدام السياسي المتكرر لهذا الاختصاص بلا كلفة.
الدولة القوية ليست الدولة التي تعاقب دائمًا، ولا الدولة التي تعفو دائمًا. الدولة القوية هي التي تجعل المواطن يثق بأن القانون يعمل قبل أن يحتاج إلى العفو.
ومن هنا يمكن رسم ثلاثة مسارات لما بعد الإقرار.
المسار الأول هو الاحتواء. تنفذ الدولة القانون ضمن حدوده، وتفرج عن المستفيدين فعليًا، وتبدأ بالتوازي إصلاح القضاء والسجون، بحيث يصبح هذا القانون استثناءً لا سابقة.
المسار الثاني هو الارتداد السياسي والأمني. تبدأ الاعتراضات من عائلات الضحايا والجيش، وتعود الملفات الحساسة إلى التداول السياسي، وتظهر خلافات حول هوية المستفيدين الفعليين، فيتحول القانون نفسه إلى مصدر توتر جديد.
أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فهو تطبيع العفو. أي أن يصبح كل فشل قضائي أو أزمة سجون مقدمة لعفو جديد. عندها لن يعود السؤال متى يعفى المتهم، بل متى يحتاج النظام السياسي إلى عفو جديد لإدارة أزمة جديدة.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا بعد خروج أول سجين من بوابة السجن: هل أقر لبنان قانون عفو، أم أقر طريقة جديدة لإدارة عجزه عن تحقيق العدالة؟
الإجابة لا تتعلق بمن خرج فقط، بل بمن بقي خلف القضبان، وبالضحايا الذين لم تنتهِ قصصهم، وبالجيش الذي يريد أن يعرف إن كانت الدولة تقف خلفه، وبالقضاء الذي يحتاج إلى فرصة أخيرة ليستعيد دوره.
لذلك، فإن الحكم النهائي على القانون لن يصدر في جلسة البرلمان، ولن تحدده الاحتفالات أمام السجون ولا الاحتجاجات أمامها. سيظهر بعد أشهر وسنوات، عندما يتضح من استفاد، ولماذا استفاد، وهل انخفضت فعلًا أزمة السجون، وهل أصلحت الدولة القضاء، وهل بقيت العدالة في موقعها، أم أن لبنان أضاف إلى سجله السياسي قانونًا آخر يؤجل المشكلة بدل أن يحلها.
في هذا المعنى، قد يكون قانون العفو العام أقل أهمية مِمَّا سيفعله لبنان بعده.
فإذا تحول إلى مقدمة لإصلاح القضاء، يمكن الدفاع عنه بوصفه إجراءً استثنائيًا فرضته ظروف استثنائية. أما إذا تحول إلى بديل دائم عن المحاكمات والإصلاح، فسوف يصبح العفو نفسه جزءًا من المشكلة التي قيل إنه جاء لمعالجتها.






















































