عندما نتكلّم عن "الإدانة" يخطُر على بالنا أمرٌ من اثنين: الدينونة (العامة) والثرثرة (وهي غير النميمة). نقول عن أحدهم: لقد دانَ! أو لا تكن دَيَّانًا! ماذا يعني هذا الكلام؟ وأين موقعه وسياقه؟ ما هو تأثيره على حياتنا اليومية والإيمانية؟ سأشرح بإسهاب، لكن إقرأ إلى النهاية رجاءً. المقالة لن تأخذ من وقتك الثمين أكثر من خمس دقائق.
1-ما هي الإدانة؟
الإدانة تعني الإسراع في الحكم، وأخذ طرف دون سماع الطرف الآخر، وعدم العودة عن هذا القرار إلا بجهد جهيد، أو بنعمة الخالق، حتى لو كان الشخص لا تعرفه أو لا تربطك به أي صلة. في هذه الحالة، فإنك تنصّب نفسك قاضيًا وحاكمًا، وكأنك المسيح في المجيء الثاني (راجع متى الفصل 25). ننسى أخطاءنا وخطايانا ونطلب الأعذار عنها والسماح. بينما، ولنفس الأخطاء والخطايا عند الآخرين، نريد لهم العقوبة القصوى، بل نار جهنم و"بئس المصير".
في الأساس، نحن جميعًا خاطئون، ولا أحد أفضل من قريبه. كلنا بحاجة إلى رحمة ربنا، "مبدئيًا". وأقول مبدئيًا لأن كثيرًا من الناس يعيشون خارج عالم الله، وكأنه غير موجود، وكأن الدين هرطقة واختراع من قبل الكهنة لكي يعملوا لأنفسهم "بزنس" إلى آخره. هؤلاء لا يعرفون الكتب، ولا يأبهون، مع أن قسمًا لا بأس به يأتي إلى الكنائس، ويتقدم إلى المناولة، ويعزّي ويبارك، وينصرف إلى "كونِه".
2-أسباب الإدانة
أ- أوقات الفراغ: يقود الفراغ والبطالة إلى الكلام الكثير، و"كثرة الكلام لا تخلو من معصية". تحدث القديس بولس كثيرًا عن الذين ينشغلون في أوقات فراغهم بأمور الناس بدلًا من أمور السماء (تي 2: 3؛ 2تس 3: 10-12). ويقود الفضول أيضًا إلى ملء هذا الخواء بالتدخل في أمور لا تخصهم. فالقلب الخالي مرتع للشيطان ولسبعة من رفقائه (لو 11: 26). نجد هذا الأمر في كثير من القرى، حيث يجتمع الناس في الساحات أو في أحد البيوت، وتدور الأحاديث، وينتهي النهار والمساء، ويتدخلون في حياة وشؤون الآخرين الخاصة، سواء الروحية أو الاجتماعية. فلا يسلم أحد من شرهم أو من لسانهم، وفي كل الأحوال تصدر أحكام مبرمة، ولا يرون في غيرهم سوى القذى (لو 6: 41). الله لم يطالب أحدًا أن يتدخل في حياة آخر ويفرض عليه رأيه أو فكره، أو حتى في حياته الروحية، ظنًا منه أنه يجعله يستقيم ويحيا لله.
ب- عدم المحبة: هذا المرض يجعلنا نظن السوء ونُقبّح، أي نذكر عيوب الآخرين. أصل الإدانة هو عدم المحبة، لأن المحبة هي طبيعة متأصلة في القديسين، لأن جذرها هو الروح القدس، لأن ثمره فينا هو الحب(أنور داوود)[1].
ج- السلبية: المتفرجون دائمًا ناقدون، لأن السلبي لا يفعل شيئًا، لذلك فهو لا يخطئ. أما لو فعل فسيشعر بمدى الصعوبة، فيُقدّر الآخرين. أما الإيجابية فتلتمس الأعذار للآخرين ولا تدينهم في تحركاتهم، حتى وإن أخطأوا.
3-الإدانة دينونة لنفسي قبل الآخرين
يحاول المرء أن يتناسى أو يبرر أخطاءه وعيوبه. فيُبرر المرء أو يتجاهل خطيئته، أو يهرب من رؤية نفسه كما هي، لأن ذلك يترتب عليه مسؤولية إصلاحها، فينشغل بعيوب الآخرين. وبالتالي، يغض الطرف عن عيوبه الشخصية. إن كان هناك شخص مطلوب مني أن أعرف عنه كل شيء، فهذا الشخص هو أنا: "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاس يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلَّا رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟" (1كو 2: 11). وشبّه الرب انشغالنا بعيوب الآخرين بشخص في عينه خشبة، لكنه نظر بانتباه إلى القذى في عيني أخيه. أي إن الخطيئة من النوع نفسه (الخطيئة في العين)، لكن مع الفرق أن حجم الخطيئة عنده أكبر بكثير من حجمها عند أخيه. وهذا ما فعله المشتكون على المرأة التي أُمسكت وهي تزني. كانوا غارقين في ذات الخطيئة التي أدانوا المرأة عليها. وعندما كشف الرب أفكارهم، وبدلاً من أن يتوبوا، خرجوا واحدًا فواحدًا. لهذا، إن كان هناك شخص يستحق أن أدينه وأحكم عليه، فهو أنا. وهذا ما يسميه الكتاب امتحان النفس. لكننا، للأسف، نرى عيوب الناس الصغيرة جدًا ضخمة جدًا، ولا نرى إطلاقًا عيوبنا الكبيرة الواضحة.
الشيطان يشغلنا بعيوب ونقائص الآخرين حتى لا ندين أنفسنا، فيتم فينا القول: "جَعَلُونِي نَاطُورَةَ الكُرُومِ. أَمَّا كَرْمِي فَلَمْ أَنْطُرْهُ" (نش 1: 6). ولا نهمل إحباطي أن الإنسان يدين أيضًا بدافع الغيرة أو الحسد من نجاح الآخرين.
4-لا نملك السلطان الذي يحق لنا به أن ندين الآخرين
لا نستطيع أن ندين لأننا لا نعرف الدوافع. "السَّرَائِرُ للرَّبِّ إلهِنَا، والمُعْلَنَاتُ لَنَا" (تث 29: 29). فكل عمل في العلن لا نكنه دوافعه ونواياه. وحده الله فاحص القلوب والكلى، يعرف ويدين، ودينونته عادلة. لذلك، لا يُستحسن لأحد، إن في قلبه أو فكره، أن يدين إنسانًا ويحكم في ضميره. هناك من يستعجل ويسرع إلى إدانة نظرائه في الخلق، وهو لا يعرف شيئًا قط، بل يجهل تمامًا ما هو نافع وما هو ضار، سواء لنفسه أو للآخرين. فحري بنا أن نحذر الإدانة لأنها تنبع من كبرياء النفس وضعف البصيرة الروحية، بل تُطفئ الروح القدس فينا وتجعلنا نفقد نعمة الله والسلام الداخلي.
أيضًا وأيضًا، هذا السلطان هو حق لله وحده، وعندما ندين، فإننا نتعدى على سلطان الله، حتى ولو كان الآخر مخطئًا أو تعتري حياته الضعفات. "مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ" (رو 14: 4). هذا العبد الذي ندينه ليس عبدًا لنا، لكنه عبد للسيد، والرب وحده له الحق في أن يدينه، لأن السيد الرب هو من اشتراه بموته. "لأَنَّهُ لِهَذَا مَاتَ المَسِيحُ وَقَامَ وَعَاشَ، لِكَيْ يَسُودَ عَلَى الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ" (رو 14: 9). ويستطرد ويقول: "وَأَمَّا أَنْتَ فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ المَسِيحِ" (رو 14: 10). في النتيجة، الإدانة قسوة لا متناهية تنبع من دكتاتورية اللامبالاة واغتصاب لمُلك ليس مُعطى لنا.
5-تجوز الإدانة حينما تصدر من مسؤول أو صاحب سلطان
من حق ذوي السلطان، بل من واجباتهم، الحكم والإدانة، لأن الله أقامهم في هذه المنزلة، وأصبحت من ضمن واجباتهم. ولا يحق لهم التهرب من هذه المسؤولية، لأنهم أيضًا سيدانون عليها لتقصيرهم. أما إذا لم يكونوا على قدر المسؤولية، فليستقيلوا ويفسحوا المجال أمام من هم أكفأ. "الإِنْسَانُ الرُّوحِيُّ يَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ" (1كو 2: 15)، أي هو قادر على تمييز الصواب من الخطأ، وإذا رأى العيوب يعرف أنها عيوب. لذلك، يجب أن يكون قدوة في التصرف الصحيح، ويقود "المذنب" إلى إصلاح أخطائه وخطاياه، مع اقتران ذلك بالاتضاع (غل 6: 1). ليكن لدينا التمييز بأن الإدانة الطبيعية، أي وصف الفعل بتجرد، ليست خطيئة.
على سبيل المثال لا الحصر، الأب والأم. الله ائتمن الآباء والأمهات على تربية أولادهم. ومن حقهم أن يوبخوا أبناءهم على أخطائهم. وأن يقولوا للابن: "إن تصرفك هذا خاطئ، وينبغي أن تتركه". وإن لم يتركه قد يأخذ منهم عقوبة.
خلاصة
لا تَدِنْ لئلا تُدان (مت 7: 1). اسمع الرأي الآخر قبل أن تحكم، إذا كان لا بد من ذلك. ارحم تُرحم. تذكر أنك خاطئ وأنك تحت القضاء الإلهي وليس فوقه. أعطِ فرصة لله وللقريب. لا تنغلق على نفسك في فهمك للأمور، لأنك عالم بجزء من الحقيقة. الحقيقة هي شخص اسمه السيد الرب. أحبب وأسرع إلى الخدمة والرحمة والآخر، لأنه لا يوجد أحد بمعزل عن الحاجة إلى الآخرين. لننتبه لكلامنا، لأننا سندان أمام الخالق ومن أفواهنا، لأن بكلامنا نتبرر وبكلامنا ندان. وبنفس ذات الدينونة التي أدنا بها الآخرين، سندان أمام مسيح الحق والعدل والمحبة اللانهائية. فلنعمل القلب، ونستيقظ، ونحيا بالصلوات. وفي جميع الأحوال، لنُقيم مواقفنا بحكمة. اطلب رحمة الله، فقد رحمك وغفر خطاياك الكثيرة، واستمر في الصلاة بدون كلل ولا ملل، واصبر ولا تهدأ أو ترتاح إلا عندما تجد الله في قلبك. بذلك تكون حقًا تلميذًا حقيقيًا، ونورًا وملحًا للعالم.
[1] https://anwar-daoud.com/%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D9%86/














































