لحظ المحامي الدكتور كميل حبيب معلوف، في «القوانين العادلة وحمايتها الحقوق والحريات»، أن قانون الإعلام الجديد يبدو أنه نص على «عدم سريان أحكام قانون العقوبات المتعلقة بالقدح والذم والتحقير، على الحالات التي ينظمها هو بوصفه نصًّا خاصًّا. وهذا يعني أن قانون العقوبات العام يبقى، من حيث المبدأ، نافذًا في حق غير المشمولين بقانون الإعلام. وتاليًا، فالمعضلة ليست في غياب النص التجريمي أصلًا، بل في غياب آلية فعّالة للملاحقة والإثبات الرقمي في جرائم منصات التواصل»...
وكلام الدكتور معلوف يعني أن الإثبات في هذه الجرائم يشكل عقبة رئيسية أمام سلطات التحقيق والقضاء، نظرًا إلى الطبيعة غير المادية للأدلة، وقابليتها للتعديل أو الإتلاف بيسر.
وبالتالي، يتطلب التغلب على هذه التحديات تبنّي منهجيات تقنية وقانونية صارمة، لضمان صحة الدليل الرقمي ومقبوليته أمام المحكمة.
ومع التحولات التقنية الهائلة التي يشهدها العصر الرقمي، وصولًا إلى إمكانات الذكاء الاصطناعي المتعاظمة، برزت الأدلة الإلكترونية عنصرًا جديدًا ومؤثرًا في منظومة الإثبات، بحيث باتت تشكل في كثير من الأحيان الدليل الرئيسي لإدانة المتهم أو تبرئته. ويُقصد بالدليل الإلكتروني: كل معلومة ذات قيمة إثباتية، يتم تخزينها أو معالجتها أو نقلها بوسائل إلكترونية، كما يمكن تقديمها أمام القضاء لإثبات واقعة جنائية معينة. وتشمل ذلك، في ما تشمل، رسائل البريد الإلكتروني، والمحادثات الرقمية، والتسجيلات الصوتية والمرئية والصور...
غير أن هذه الأدلة، وعلى رغم أهميتها، تثير إشكاليات خطرة تتعلق بمدى صدقها وحجيتها أمام القضاء، لما تتعرض له من مخاطر التلاعب والتزوير، عبر تقنيات حديثة مثل التزييف العميق (Deepfake) أو التعديل الرقمي للصور والملفات.
كما أن التلاعب بالأدلة الرقمية لا يهدد نزاهة المحاكمة فحسب، بل قد يؤدي أيضًا إلى الإضرار بحقوق الأفراد، وإهدار مبدأ قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير آليات تقنية وقانونية جديدة، قادرة على كشف هذا التلاعب -إن وُجد- والتحقق من أصالة الأدلة الإلكترونية، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق الفردية وصون العدالة الجنائية.
وفي هذا السياق، يطرح الذكاء الاصطناعي نفسه أداة واعدة وقادرة على إحداث نقلة نوعية في مجال التحقق من صدقية الأدلة الرقمية، إذ يمكن لتقنيات التعلم العميق وتحليل البيانات أن تساهم في كشف التزوير الرقمي، ورصد التلاعب بالصوت والصورة، عبر أدوات متخصصة تعتمد على خوارزميات دقيقة. غير أن إدماج هذه التقنيات في منظومة العدالة يتطلب إطارًا قانونيًّا متكاملًا، يحدد شروط استخدامها، ويضمن عدم تعارضها مع المبادئ الدستورية و«حقوق الإنسان».
شرعة الأخلاقيات؟
من الطبيعي أن تظهر هذه الإشكاليات الحقوقية أكثر في لبنان، بعد كل ما شهدته ساحاته من حروب وانهيار للقيم، وجنوح عن المبادئ، وانتفاء لأي رادع خلقي يحول دون يسرة ارتكاب الجرائم، وضمنا تلك المتعلقة بالقدح والذم والتشهير...
وعليه، فقد يسهل على غير المحصنين خلقيًّا مثلًا، إنشاء «مجموعات واتسابية»، يمكن من خلالها ارتكاب جرائم القدح والذم والتشهير بكل يسر، ومن دون أي وازع أخلاقي.
وفي المقابل، يصعب الإثبات في هذه الجرائم، في غياب آلية فعّالة للملاحقة والإثبات الرقمي في جرائم منصات التواصل»...
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الهدف من القاعدة القانونية هو استقرار النظام في المجتمع، وتحقيق العدل والمساواة، وغايتها نفعية؛ أي نفع المجتمع وحفظه.
أما الأخلاق فغايتها، أكثر من ذلك، مِثالية، تنزع بالفرد نحو الكمال، فهي تأمر بالخير وتنهى عن الشر، وتحض على الفضائل، وتوحي بالابتعاد عن الرذائل. وبالتالي، فهي ترسم نموذجًا للشخص الكامل، على أساس ما يجب أن يكون، لا على أساس ما هو كائن بالفعل.
لذلك، فالأخلاق توجه أوامرها إلى ضمير الإنسان، وتهدف إلى تحقيق الأمن والسلام الداخلي. وأما القانون فيراهن، أكثر ما يراهن، على تنظيم علاقة الأشخاص في ما بينهم، ويهدف إلى تحقيق الأمن والسلام الخارجي، بما يشتمل عليه من أحكام تمنع الاعتداء على الغير.
غير أن المطلوب بإلحاح اليوم، التوجه نحو إصلاح إجرائي محدد، بدلًا من الاكتفاء بالدعوة العامة إلى «شرعة أخلاقيات».
























































