رأت صحيفة "الغارديان" أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تراهن على سلاح العقوبات الاقتصادية لإجبار إيران على الاستسلام، بعدما أخفقت أشهر من الحرب والضغوط العسكرية في دفع طهران إلى القبول بالشروط الأميركية أو الانهيار.
وأوضحت الصحيفة، في مقال رأي وتحليل، أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أعلن ما سمّاه "عملية المنبوذ الاقتصادي"، وهي خطة تهدف إلى عزل إيران عن ما تبقى لها من صلات بالاقتصاد العالمي، عبر تهديد الحكومات والبنوك والشركات الأجنبية بالعقوبات إذا واصلت التعامل مع طهران.
وبحسب "الغارديان"، تعاني إيران أصلاً من اقتصاد مثقل بسنوات العقوبات والحرب والحصار البحري الأميركي، فيما يقر مسؤولون إيرانيون بأن صادرات النفط والوصول إلى العملات الأجنبية تراجعا بصورة حادة. كما يواجه الإيرانيون ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، وتراجعاً في قيمة العملة، وانخفاضاً متواصلاً في مستويات المعيشة.
لكن الصحيفة شددت على أن حاجة إيران إلى إنهاء الحرب لا تعني استعدادها للاستسلام. فقد أبدى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استعداد بلاده للسعي إلى السلام، شرط أن يتم التفاوض من موقع «القوة والكرامة»، بينما ترى طهران أن تصعيد الضغوط الأميركية يثبت أن التخلي عن أوراق قوتها سيجعلها أكثر عرضة لجولات جديدة من الضغط.
وأشارت الصحيفة إلى أن مسؤولين إيرانيين بدأوا يصفون المشاركة في الحملة الاقتصادية الأميركية بأنها "عمل حربي". ونقلت عن محسن رضائي، الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تحذيره من أن طهران ستسعى أولاً إلى إقناع دول الجوار بعدم المشاركة في الخطة الأميركية، لكنها قد تستهدف مصالحها إذا انضمت إليها.
كما حذّر رضائي من احتمال لجوء إيران إلى تعطيل صادرات النفط الخليجية عبر مسارات بديلة تتجاوز مضيق هرمز، في حال تصاعد الضغوط عليها. وترى "الغارديان" أن هذه التهديدات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد رسائل موجهة إلى الداخل الإيراني، بل إنها تعكس استراتيجية تهدف إلى جعل خنق الاقتصاد الإيراني مكلفاً للولايات المتحدة والدول التي تساعدها على تنفيذ العقوبات.
وقد يشمل ذلك، وفق الصحيفة، تشديد الضغط على مضيق هرمز، واستهداف البنية التحتية التي تتيح تصدير النفط عبر طرق بديلة، أو زيادة الهجمات والضغوط على المصالح الأميركية في المنطقة. ورغم أن مثل هذه الخطوات ستفاقم معاناة الإيرانيين، فإن ذلك لا يمنع طهران من استخدامها كورقة ضغط في مواجهة واشنطن.
وتواجه الخطة الأميركية عقبة رئيسية تتمثل في الصين، التي تُعد المشتري الأبرز للنفط الإيراني.
وذكرت "الغارديان" أن بكين أمرت شركاتها بعدم الامتثال للعقوبات الأميركية التي تستهدف مشتري النفط الإيراني، كما حذرت من اتخاذ «جميع الإجراءات الضرورية» إذا تعرضت المصالح الصينية للاستهداف.
ووفق التحليل، تجد واشنطن نفسها أمام خيارين صعبين: إما التغاضي عن استمرار التجارة بين إيران والصين ودول الجوار وشركاء آخرين، أو توسيع نطاق العقوبات الثانوية لتشمل الحكومات والبنوك والشركات التي تبقي قنوات التجارة مع طهران مفتوحة. غير أن الخيار الثاني قد يفتح جبهات اقتصادية جديدة أمام الولايات المتحدة، في وقت تحتاج فيه إلى تعاون دولي لعزل إيران.
ونقلت الصحيفة عن بيسنت قوله، رداً على سؤال بشأن عدم فرض العقوبات الثانوية الأوسع فوراً: "لماذا أريد تفجير النظام المالي العالمي؟". واعتبرت "الغارديان" أن التصريح يكشف حجم المخاطر التي تنطوي عليها عملية يجري الترويج لها باعتبارها "يوماً اقتصادياً فاصلاً".
وترى الصحيفة أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية قد يدفع البيت الأبيض إلى تجنب تصعيد جديد يرفع أسعار الوقود ويهدد إمدادات الطاقة القادمة من الخليج. وتراهن طهران، في المقابل، على قدرتها على الصمود وإعادة توجيه جزء من تجارتها، مع تحميل الولايات المتحدة وحلفائها كلفة اقتصادية وسياسية متزايدة.
وختمت "الغارديان" تحليلها بالقول إن المواجهة تحولت إلى سباق قدرة على التحمل: تراهن واشنطن على انهيار الاقتصاد الإيراني أولاً، بينما تراهن طهران على تراجع استعداد الولايات المتحدة لتحمل كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية.
وحذّرت الصحيفة من أن تكرار النهج نفسه قد يقود إلى نتائج عكسية؛ فانسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 لم يدفع إيران إلى تقديم شروط أفضل، بل ساهم في توسع برنامجها النووي. كما لم تؤدِّ القوة العسكرية إلى إخضاع طهران، بل ساعدت على اتساع الحرب وتحول مضيق هرمز إلى ورقة نفوذ رئيسية بيد إيران. وقد ينتهي التصعيد الاقتصادي الجديد إلى ارتفاع أكبر في أسعار الطاقة، وظهور خصم أكثر تشدداً، واندلاع مواجهة لم تكن واشنطن تتوقعها.