كلُّ الأعياد في الكنيسة، الكبيرة منها والصغيرة، الخاصّة بالربّ يسوع المسيح، والأعياد الوالديّة، أي المتعلّقة بوالدة الإله، وأعياد القدّيسين والقدّيسات، والعجائب وغيرها، ترتبط جميعها بيسوع، لأنّه هو المحور.
وكذلك السنة الليتورجيّة الكنسيّة، التي تبدأ في اليوم الأوّل من شهر أيلول، تدور حول الربّ. وأيضًا صلوات الساعات، وصلاة الغروب، ودورة الأسبوع، تتمحور كلّها حول الربّ وقيامته. كلّ ذلك يتلخّص بكلمة واحدة، وهي: يسوع المخلّص هو كلّ شيء في حياتنا، وهو هدفنا، ومسيرتنا هي أن نتّحد به.
اليوم الثامن من شهر أيلول هو عيدٌ كبير في السنة الطقسيّة، وهو عيد ميلاد والدة الإله الكليّة القداسة. وأمام هذا العيد، نتوقّف عند نقطتين مهمّتين:
الأولى: يرتبط العيد بالربّ يسوع المسيح، لأنّ من نعيّد لها هي والدة الإله، وليس مريم العذراء فقط. فهي التي قبلت الحبل الإلهي بملء إرادتها، وتقدّست، وأصبحت مثالًا لنا في الإيمان والطاعة. وهي تدعونا إلى أن نحذو حذوها، أي أن نحمل يسوع في نفوسنا ونلده للآخرين.
إنّ تكريم والدة الإله يأتي من سيرة حياتها، ومن تواضعها، وقداستها، وطهارتها، ومحبّتها، وإصغائها إلى كلمة الربّ والعمل بها. كما أنّها تدعونا إلى أن نعمل كلّ ما يطلبه منّا الربّ، وأن نحقّق مشيئته في حياتنا.
الثانية: صحيح أنّ هذا العيد غير مذكور في العهد الجديد، وإنّما ذُكر في إنجيل منحول يُعرف بـ«إنجيل يعقوب». إلّا أنّ هذا الأمر لم يمنع الكنيسة من الاستشهاد بما ورد فيه، إذ إنّها لم تتعامل مع جميع الأناجيل المنحولة بالطريقة نفسها، ولم تعتبر كلّ ما ورد فيها مرفوضًا بالضرورة. والدليل على ذلك أنّ عددًا من الآباء القدّيسين استشهدوا بإنجيل يعقوب واستفاضوا في الحديث عن بعض ما ورد فيه.
لا بدّ لنا، قبل شرح كلّ ذلك، أن نفهم ما معنى كلمة «منحول»، وما هي الأناجيل المنحولة.
كلمة «منحول» في هذا السياق تعني: كتابًا أو نصًّا نُسب إلى شخص أو رسول أو تلميذ، لكن لا يُعتقد أنّ ذلك الشخص هو مؤلّفه الحقيقي. و«منحول» من الفعل «نَحَلَ»، وفي العربية، «نَحَلَ فلانًا شيئًا» تعني: نسب إليه شيئًا، وقد تكون النسبة صحيحة أو غير صحيحة بحسب السياق. وتعريف «منحول» في المعاجم هو: «انتحل الشيء: ادّعاه لنفسه وهو لغيره». والكلمة لا تعني بالضرورة أنّ الكتاب «كاذب» بالكامل، بل تتعلّق أساسًا بمسألة نسبة الكتاب ومصدره.
وباللغة اليونانية يُقال ψευδεπίγραφος — pseudepígraphos، أي ψευδής (pseudēs)، بمعنى «زائف» أو «كاذب»، وἐπιγραφή (epigraphē)، بمعنى «عنوان» أو «كتابة اسم» أو «نقش على الشيء». وتعني حرفيًّا، تقريبًا: «مكتوب باسم زائف» أو «منسوب بنسبة زائفة».
في القرون الأولى للمسيحية، ظهرت كتابات كثيرة تتحدّث عن يسوع المسيح، وأقواله، وحياته، والرسل. وكان بعضها يُنسب إلى شخصيّات معروفة، مثل: بطرس، وتوما، ويعقوب، ويهوذا، ومريم المجدلية، وفيليبس. ويتحدّث الباحثون عن الأناجيل غير القانونيّة، وبعضها منحول النسبة، وبعضها مجهول المؤلّف، وبعضها غنوصي. ولدينا عشرات النصوص والأجزاء.
والكلمة اليونانية المستعملة في هذا المضمار هي أبوكريفي ἀπόκρυφος (apókryphos)، وتعني حرفيًّا «مخفي» أو «مستور»، أي ἀπό- (apó-) loin de / à l’écart de / hors de، وκρυφ- (kryph-) caché / dissimulé، ويصل المعنى إلى «موضوع على حدة». لهذا، فالكلمتان «منحول» و«أبوكريفي» ليستا مترادفتين، وهناك فروق اصطلاحيّة بينهما، وهذا يعني أنّ «منحول» لا تساوي تمامًا «أبوكريفي. »
وقد اعتُمد مصطلح «الأناجيل الأبوكريفية» للإشارة إلى الكتب المنحولة، أي غير القانونيّة، وعكس كلمة «غير قانوني» هو κανονικός – kanonikós، من κανών (kanṓn – canon)، للإشارة إلى الكتب القانونيّة المعتمدة.
كما لا بدّ هنا من الانتباه إلى أمر مهم، وهو أنّ وجود إنجيل خارج العهد الجديد لا يعني تلقائيًّا أنّ الكنيسة اكتشفته ثم قرّرت إخفاءه. فبعض هذه النصوص ظهرت بعد الأناجيل الأربعة بزمن طويل، وبعضها ظهر في القرون الأولى وكانت معروفة جيدًا من قِبل الكنيسة؛ ومنها ما رُفض بالكليّة منذ البداية لأنّه لا يتطابق مع البشارة التي استلمها الرسل الأطهر من يسوع مباشرة، ومنها ما قُبل جزئيًّا.
ومن النصوص التي قُبل ما ورد فيها «إنجيل يعقوب» المنحول، ويُسمّى أيضًا Protévangile de Jacques le Mineur، والذي يعود إلى منتصف القرن الثاني الميلادي. وقد وجد الباحثون أنّ كاتبه ليس يعقوب، بل نُسب إليه، ولذلك اعتُبر منحولًا. وهو أقدم نص مسيحي معروف يروي ولادة مريم ووالديها يواكيم وحنّة، وطفولتها، ودخولها الهيكل.
من أهمّ الآباء القدّيسين الذين استشهدوا بإنجيل يعقوب ليتحدّثوا عن العذراء مريم والدة الإله وميلادها، وأحداث تتعلّق بها وبوالديها يواكيم وحنّة، القدّيس غريغوريوس النيصصي (حوالي +395م)، والقدّيس مكسيموس المعترف (+662م)، والقدّيس أندراوس الكريتي (+740م)، والقدّيس يوحنا الدمشقي (+749م). ولا ننسى، طبعًا، أوريجانوس (+253م).
في الخلاصة، يأتي ميلاد العذراء ليخبرنا في العيد أن نلد ولادة جديدة بالرب، ونسير في سنين حياتنا متّحدين بيسوع، وملتمسين خلاصه، لتُختَم السنة برقاد والدة الإله، كأنّه رقادنا. فإن عشنا بالرب، ينقلنا إليه.
إلى الربّ نطلب.
























































