على وقع الكثير من الأسئلة التي ترافق الجولة المقبلة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، برزت العديد من المؤشرات في الأيام الماضية التي تثبت أن تل أبيب تستفيد من الوقائع الحالية من أجل فرض شروطها، خصوصًا أن بيروت، من الناحية العملية، لا تملك أيًا من أوراق القوة العسكرية أو السياسية القادرة على قلب المعادلات.
على المستوى السياسي، كان العنوان الأبرز رفض إسرائيل تقديم أي تنازل عملي لتأمين نجاح مسار المفاوضات مع لبنان، بغض النظر عن محاولة تضخيم حجم مبادرتها إلى إطلاق سراح 5 أسرى هم في حقيقة الأمر مفقودون، الأمر الذي صُنف على أنه "بادرة حسن نية منها". لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل عنوان آخر يتعلق برفض تمديد ولاية قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، والذي تحظى فيه بدعم من الولايات المتحدة.
على الرغم من المحاولات التي التي تبذلها العديد من الدول الأوروبية لإيجاد بديل عن هذه القوات، فإن ما يمكن التأكيد عليه هو أن الهدف الإسرائيلي من هذا الرفض هو الوصول إلى مرحلة من الفراغ الأمني في الجنوب، كمقدمة نحو فرض التنسيق المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، على الرغم من الحملة المستمرة التي تشنّها بها تل أبيب على المؤسسة العسكرية، من منطلق التشكيك بالخطوات التي تتّخذها في المناطق الجنوبية.
هنا، يأتي التطور الأهم على المستوى العسكري، أي الإعلان عن السيطرة العملياتية على تلال علي الطاهر، التي كانت وسائل الإعلام العبرية أول من بادر إلى تحويلها إلى معركة استراتيجية، لا سيما بعد أن رُبطت أيضًا بمصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانتخابية، على الرغم من أن تل أبيب كانت، في الوقت نفسه، تواصل الاعتداءات التي ترتكبها في مختلف المناطق التي تحتلها، إلا أن التركيز السياسي والإعلامي كان فقط على هذه التلال.
أهمية الإعلان الإسرائيلي تأتي من خلال المعادلة التي كشف عنها وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي أشار إلى أن السيطرة على علي الطاهر تعني أن إسرائيل أكملت مرحلة السيطرة على المنطقة الأمنية التي أقامتها في الجنوب، مؤكدًا أنها لن تنسحب من المنطقة الأمنية حتى يتم نزع سلاح "حزب الله" في كل لبنان، ما يعني عمليًا رمي الكرة في الملعب اللبناني، من خلال وضع شروط واضحة لأي تقدم في مسار المفاوضات قد تقود إلى تداعيات خطيرة في الداخل.
ما أعلن عنه كاتس لا ينفصل عن الرؤية الأميركية، التي كان السفير في بيروت ميشال عيسى قد عبر عنها في أكثر من مناسبة خلال الفترة الماضية، من خلال الحديث عن أن المطلوب دعوة "حزب الله" إلى تسليم سلاحه، لا الإكتفاء بمطالبة إسرائيل بالانسحاب من المناطق المحتلة، التي جاءت مع علامات الاستفهام التي رُسمت حول فرضيات الحوار بين الولايات المتحدة والحزب، أي أن المطلوب، من وجهة نظر واشنطن وتل أبيب معًا، هو تسليم "حزب الله" بالأمر الواقع الجديد أو مبادرة السلطة إلى خطوات عملية في مواجهته.
في المقلب اللبناني، سواء الرسمي أو الذي يمثله "حزب الله"، يبقى الأساس ما يمكن القيام به في مواجهة الشروط الإسرائيلية، نظرًا إلى أن كل جهة تستطيع أن ترفض أو تقبل ما تريد، لكن ما هو مفيد هو ما تستطيع القيام به أو ما تملكه من أوراق قوة من الناحية العملية. وفي وقت تبدو فيه مختلف المسارات معطلة، فإن السلطة لا تبدو قادرة على الحصول على ما يمكن الرهان عليه عبر الخيار الدبلوماسي، في حين أن الحزب يعلق كل آماله على ما قد ينتج من المسار الأميركي الإيراني، الذي يواجه أيضًا تحديات كبرى. وهو ما يقود إلى رهانات أكبر، قد تكون وهمية، على نتائج الاستحقاقات الانتخابية في واشنطن وتل أبيب.
























































