في خطوة تشريعية تثير الريبة، وقّع رئيس الجمهورية ال​لبنان​ية ​جوزاف عون​ قانونًا جديدًا للعفو العام، مقدَّمًا تحت لافتة "​العدالة الإنسانية​" وتخفيف اكتظاظ السجون في ظلّ ​أزمات البلاد​ المتلاحقة. إلا أن الغوص في النص المُقرّ، ومقاربته مع "​قانون إصلاح وضع المصارف​ في لبنان وإعادة تنظيمها" (القانون رقم 23 الصادر في ​2025​/8/14 وتعديلاته)، يكشف عن هندسة قانونية خبيثة. لقد تحول ​قانون العفو العام​ من تدبير لمعالجة بطء العدالة إلى "بوليصة تأمين" شاملة لكبار المصرفيين والمساهمين المتورطين في تبديد أموال ​المودعين​، متسللًا عبر فجوات متعمدة ومصطلحات فضفاضة تنسف جوهر المحاسبة الذي كان مأمولًا في قوانين الإصلاح المالي.

وبعد أن استشارت "النشرة" محللًا قانونيًا وخبيرًا ماليًا، توجب تفكيك هذه الخدعة المزدوجة؛ حيث يُعلَّق الإصلاح المالي بانتظار تشريعات غير مقرّة، بينما يُمرّر العفو العام بصيغته الحاليّة ليمحو الجرائم الماليّة السابقة، تاركًا المودعين يدورون في حلقة مفرغة من الخسارة وانعدام المسؤولية.

أوّلًا: الثغرات القاتلة في قانون العفو العام (المادة الثانية)

يتضمن قانون العفو العام نصًّا ملغومًا في مادته الثانية، التي تحدد الاستثناءات من العفو. ففي حين استثنى المشرع في الفقرة (8) "جرائم الإفلاس الاحتيالي، والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف، وسائر القوانين والأنظمة المتعلقة بالمصارف"، وفي الفقرة (10) الجرائم المنصوص عليها في ​قانون مكافحة تبييض الأموال​، إلا أن الشيطان يكمن في التفاصيل وتحديدًا في الاستثناء المتعلق بـ "جرائم الإثراء غير المشروع".

الفقرة (9) من المادة الثانية تستثني من العفو: "جرائم الإثراء غير المشروع الواردة بالقانون رقم 189 تاريخ 2020/10/16 المتعلقة باختلاس الأموال العمومية أو ب​إساءة الأمانة​ بها أو سرقتها أو بالأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية، والتهرب الضريبي".

أين الخديعة؟ الخديعة الكبرى هنا هي حصر استثناء "إساءة الأمانة" و"السرقة" ضمن إطار "جرائم الإثراء غير المشروع" (قانون 189) حصرًا. ​قانون الإثراء غير المشروع​ يطبق بشكل أساسي على الموظفين العموميين ومن في حكمهم (القطاع العام). مالكو المصارف وأعضاء مجالس إدارتها (القطاع الخاص) ليسوا موظفين عموميين. بالتالي، إذا ارتكب مصرفي جريمة "إساءة أمانة" (وهي التوصيف القانوني الأقرب لتبديد ودائع العملاء) أو "اختلاس" من خارج إطار التصريح الوظيفي المنصوص عليه في قانون 189، فإن هذه الجرائم قد تُعتبر مشمولة بالعفو العام لأنها لم تُستثنَ بشكل مستقل وواضح.

لقد تجنب المشرع عمدًا إيراد جرائم "إساءة الأمانة" (المادة 670 عقوبات وما يليها) أو "الاحتيال" (المادة 655 عقوبات) كاستثناءات مطلقة ومستقلة، وربطها بقانون الإثراء غير المشروع، مما يفرغ الاستثناء من محتواه بالنسبة للقطاع الخاص المصرفي. هذا يعني أن الدعاوى المرفوعة أو التي قد ترفع ضد مجالس إدارات المصارف بجرم "إساءة الأمانة" (وهو الجرم الذي يعتمد عليه المودعون حاليًا) ستسقط حكمًا بموجب هذا العفو.

ثانيًا: المقاربة مع قانون إصلاح وضع المصارف (تجميد المحاسبة)

يتفاقم هذا التواطؤ التشريعي عند قراءة قانون العفو بالتوازي مع تعديلات "قانون إصلاح وضع المصارف" (القانون رقم 23).

1-شلل "الهيئة المصرفية العليا" والمصفي: نصت المادة الثالثة عشرة (التي تعدل المادة 16 من ال​قانون 23​) على منح الهيئة المصرفية العليا صلاحية رفع دعاوى ضد كبار المساهمين والإدارة العليا "الذين شغلوا مناصبهم لدى المصرف المعني في السنوات العشر السابقة لتاريخ صدور قرار إصلاح الوضع، وذلك في حال وجود أسباب منطقية للاشتباه بتورط أي من هؤلاء الأشخاص في جرم مدني أو جزائي". كذلك، أعطت المادة التاسعة عشرة (المعدلة للمادة 23) والمادة الحادية والعشرون (المعدلة للمادة 25) المصفي أو لجنة التصفية صلاحية ملاحقة هؤلاء الأشخاص جزائيًّا وإبطال العمليات المشبوهة.

المأزق الآن هو أن قانون العفو العام قد أسقط الملاحقة الجزائية في العديد من الجرائم المالية (كإساءة الأمانة العادية) المرتكبة قبل 1 آذار 2026. وبالتالي، عندما يحاول المصفي أو الهيئة المصرفية العليا تحريك دعوى جزائية ضد مساهم كبير استنادًا لقانون إصلاح المصارف، سيواجهون فورًا بدفع قانوني من محامي المساهمين: "الجرم سقط بقانون العفو العام".

2-ضربة قاضية لـ"استرداد الأموال: "تمنح المادة الحادية والعشرون من قانون إصلاح المصارف المصفي صلاحية إبطال الأعمال التي أنتجت منافع غير مبررة (كالتبرعات، وأنصبة الأرباح، ونقل الملكيات) خلال فترة تتراوح بين 18 إلى 36 شهرًا قبل التصفية. لكن، الإبطال المدني يتطلب غالبًا إثباتًا جزائيًّا (مثل الاحتيال أو التواطؤ). سقوط الشق الجزائي بقانون العفو سيجعل مهمة المصفي في إبطال هذه العمليات واسترداد الأموال شبه مستحيلة مدنيًّا، إذ إن المتورطين قد تحصنوا بالبراءة القانونية.

ثالثًا: التلاعب بتسلسل القوانين (التعليق المتعمد)

هنا تبرز "الخطيئة الأصلية" في الهندسة التشريعية. تنص المادة التاسعة والعشرون من قانون تعديل إصلاح المصارف بوضوح: "يعلق تنفيذه إلى حين إقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع".

ماذا يعني هذا عمليًّا؟

1- قانون إصلاح المصارف، الذي يحتوي على آليات محاسبة المصرفيين وتحديد المسؤوليات، معلّق وغير نافذ.

2- قانون العفو العام نافذ "فور نشره في الجريدة الرسمية" (المادة الحادية عشرة).

3- إذًا، يتم تنفيذ محو الجرائم وإسقاط الملاحقات (عبر العفو) الآن، بينما تُؤجل آليات المحاسبة وإصلاح المصارف واسترداد الودائع إلى أجل غير مسمى.

عندما (أو إذا) أُقر قانون "الانتظام المالي واسترداد الودائع"، وصار قانون "إصلاح المصارف" نافذًا، سيكون أصحاب المصارف قد نظفوا سجلاتهم الجزائية بفضل قانون العفو، وستكون أي محاولة لمحاسبتهم على أفعالهم السابقة لتاريخ 1 آذار 2026 باطلة قانونًا بمبدأ "لا يعاقب المرء على جرم شمله العفو".

رابعًا: تراتبية الخسائر... المودع هو الضحية الدائمة

في ظل هذا الإفلات من العقاب الذي كرسه العفو، ماذا يتبقى للمودع؟ ينص قانون إصلاح المصارف (المادة 12 المعدّلة للمادة 14) على تطبيق أداة "الإنقاذ الداخلي"(Bail-in)، والتي تعني تخفيض قيمة الأموال الخاصة والمطلوبات. وينص صراحة: "في حال استخدام الإنقاذ الداخلي (Bail-in) كأداة من أدواته، تطبق هذه الأداة على ودائع العملاء".

بالنظر إلى الملحق رقم (1) "تراتبية الأموال الخاصة والدائنين والمودعين"، نجد أن "ودائع العملاء غير المؤمنة" تقع في المرتبة السابعة، و"ودائع العملاء المؤمنة" في المرتبة الثامنة من سلم المطلوبات التي ستمتص الخسائر (أي سيتم شطبها أو تخفيضها).

النتيجة المروعة هي أن المودع سيتحمل عبء "الإنقاذ الداخلي" وتخفيض الودائع بقوة قانون إصلاح المصارف، بينما المساهمون الكبار وأعضاء مجالس الإدارة، الذين تسببوا بهذه الخسائر، سيفلتون من المحاسبة الجزائية ومن ملاحقة أموالهم الشخصية بفضل قانون العفو العام. لقد تم استخدام مصطلح "إصلاح وضع المصرف" كغطاء لتشريع شطب أموال المودعين، بينما استُخدمت ديباجة "العدالة الإنسانية" في العفو العام لحماية المرتكبين.

في الخلاصة بدا إقرار القانون كأنّه تواطؤ لحماية "الكارتيل". وإن قراءة متأنية لهذين القانونين (إصلاح المصارف والعفو العام) معًا تكشف عن سيناريو محبوك بدقة في غرف مظلمة. نحن أمام مسرحية قانونية حيث تم توقيع "براءة ذمة" مسبقة وشاملة للمنظومة الماليّة.

من خلال ربط الاستثناءات المتعلقة بإساءة الأمانة بقانون الإثراء غير المشروع (الخاص بالموظفين العموميين)، وتجنب ذكرها كجرائم مستقلة في قانون العفو، تم تأمين المخرج القانوني لكبار المصرفيين. ومن خلال تعليق نفاذ قانون إصلاح المصارف بانتظار قانون لم يُقرّ بعد، تم تجميد أيّ أداة محاسبة حقيقيّة (كالمحكمة الخاصة والهيئة المصرفيّة العليا) حتى يتم تفعيل مفاعيل العفو العام.

المودعون، الذين كانوا ينتظرون خطّة للتعافي، يجدون أنفسهم اليوم أمام كمّاشة قانونيّة: قانون يمهد لشطب أموالهم (الإنقاذ الداخلي)، وقانون يعفو عمن بدد هذه الأموال. هذا ليس تشريعًا لدولة تسعى للتعافي، بل هو تصفية قانونية منظمة لآخر حقوق المودعين اللبنانيين.