كان أمام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ثلاثة خيارات عند وصول قانون العفو العام إليه: توقيعه، أو تركه حتى تنقضي المهلة الدستورية فيصبح نافذًا حكمًا، أو ردّه إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيه. ووفق العديد من المحللين والمفكرين والدستوريين، كان الردّ الخيار الأكثر مسؤولية لهذا الرئيس تحديدًا، لأنه لا يلغي القانون، بل يمنح السلطة التشريعية فرصة لتصحيح أي ثغرة فيه، خصوصًا أنه يمسّ مباشرة حقوق الضحايا وهيبة الجيش والقوى الأمنية، وهو ما يفسّر «نقمة» ذوي الشهداء. أما ترك القانون حتى يصبح نافذًا حكمًا، فلم يكن ليحلّ أي مشكلة، بل كان سيؤدي إلى النتيجة نفسها، وهذا كان سيضع الرئيس في خانة «الموافقة المبطّنة». ويجدر القول إنه إذا كان رئيس الجمهورية مقتنعًا بالقانون، فعندها يصبح التوقيع مفهومًا، لكن إذا كانت لديه تحفّظات جدية، وخصوصًا في ما يتعلق بشهداء الجيش اللبناني، وفق ما يردّده في كل مناسبة، فإن الردّ كان الوسيلة الطبيعية لمعالجتها.
جوهر المشكلة لم يكن في مبدأ العفو، ولا في إنصاف الموقوفين أو معالجة ملفات طال أمدها، بل في ضرورة رسم خط واضح بين من يمكن أن تشملهم المصالحة، وبين من يتحمّلون مسؤولية جرائم خطيرة، ولا سيما الجرائم التي استهدفت الجيش والقوى الأمنية. فالعسكري الذي يسقط أثناء أداء واجبه ليس مجرد ضحية في ملف جنائي؛ إنه يمثّل الدولة نفسها. ومن هنا، فإن مجرد احتمال استفادة شخص شارك في قتل عسكري من تسوية عامة لا يجرح عائلة الشهيد وحدها، بل يمسّ صورة الدولة وهيبة مؤسساتها.
الخطر الذي جعل الردّ أكثر حساسية كان احتمال انتقال النقاش من القانون إلى الطائفة. فالعفو ارتبط بملفات تحمل وزنًا سنّيًا واضحًا، وكان من السهل سياسيًا تصوير ردّ الرئيس على أنه تعطيل لمطلب سنّي، حتى لو كان دافعه حماية العدالة والجيش. كما أن السجال الحكومي والنيابي حول القانون عزّز قابلية الموضوع للتحوّل إلى اصطفاف سياسي ومذهبي. لكن الخوف من «التطييف» لا ينبغي أن يتحوّل إلى سبب للتخلّي عن الصلاحية الدستورية، بل كان المطلوب استخدام هذه الصلاحية بطريقة لا تثير حساسية طائفية. والمخرج الأنسب كان في ردّ عون القانون من دون أن يتحوّل إلى «رئيس ضد العفو»، وذلك من خلال إرفاق الردّ بتوضيح دقيق: «لا أعترض على مبدأ العفو العام ولا على معالجة أوضاع الموقوفين، وإنما أطلب إعادة النظر في النص بما يضمن بصورة قاطعة عدم استفادة من تثبت مسؤوليته عن قتل عسكري أو الاعتداء على الجيش والقوى الأمنية أثناء قيامهم بواجبهم من أحكامه». وكان لهذا الخيار ميزة سياسية مهمة أيضًا. فبدلًا من أن يتحمّل الرئيس وحده مسؤولية القرار، يجد مجلس النواب نفسه مرة جديدة أمام مهمة التشريع الدقيق: إذا كان الهدف هو المصالحة والعدالة، فليحصّن المجلس القانون ويعيده بصورة أكثر وضوحًا وعملية، وبذلك لا يصبح الرئيس في مواجهة البرلمان، ولا الجيش في مواجهة الموقوفين.
من هذه الزاوية، يبدو أن رئيس الجمهورية وقع في خطأ في تقدير إدارة المخاطر. فقد حقّق هدوءًا سياسيًا آنيًا، لكنه تحمّل مسؤولية قانون كان يمكن إعادته إلى المجلس لتحصينه، وترك لدى أهالي الشهداء شعورًا بأن أولوية الاستقرار السياسي غلبت أولوية العدالة. لم يكن مطلوبًا من الرئيس الاختيار بين السنّة والجيش كما يحلو للبعض أن يروّج، ولا بين العفو والعدالة، بل أن يمنع أصلًا وضع لبنان أمام هذه الثنائية الخطيرة. وكانت خطوة الردّ، المصحوبة بتوضيحات واضحة ومحددة، تسمح بتحقيق ذلك.
كان يمكن لعون أن يردّ القانون وفق المفهوم التالي: ردّ قانون محدد، لا رفض العفو؛ والدفاع عن العدالة، لا مواجهة طائفة؛ وحماية الجيش، لا تحميل الموقوفين جماعيًا مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد.



















































