ردّ المجلس الدستوري بالإجماع، المراجعة المقدمة من عدد من النواب طعناً بالقانون الرقم 47 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 30 تموز 2026، والمتعلق بتعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي والإعفاء من زيادات التأخير وإجازة تقسيط الديون المتوجبة لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وقرر المجلس، في جلسته المنعقدة بتاريخ 10 أيلول 2026 برئاسة رئيسه القاضي طنوس مشلب، قبول المراجعة شكلاً وردّها أساساً، مع إبلاغ القرار إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء ونشره في الجريدة الرسمية.
واعتبر المجلس أن "القانون المطعون فيه واضح لجهة نطاقه الزمني ونسبة الدفعة الأولى وأجل تقديم الطلب ومعدلات الفائدة وتدرّج الأقساط ونسب الإعفاء، وبالتالي لا يعتريه الغموض الذي يبرر إبطاله".
كما ردّ المجلس السبب المتعلق باعتبار تحديد أسس احتساب اشتراكات الضمان من المواضيع المحجوزة للقانون حصراً، موضحاً أن" اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تختلف عن الضرائب، كونها اقتطاعات إلزامية مخصصة لتمويل تقديمات محددة ولها مقابل بالنسبة إلى المضمونين".
وأشار إلى أن "القانون المطعون فيه لا يتضمن أحكاماً تستوجب الإبطال لمخالفة الدستور"، لافتاً إلى أن "إبطاله كان سيؤدي إلى إلغاء أحكام مطابقة للدستور ومخففة للعبء، ومنها الإعفاء من قسم من زيادات التأخير وإلغاء الديون السابقة وإتاحة تقسيطها".
ومما جاء في القرار:
"مراجعة رقم: 10/و/2026 تاريخ الورود: 13/8/2026
موضوع المراجعة: إبطال القانون رقم 47 المنشور في الجريدة الرسمية عدد 32 تاريخ 30/7/2026 والرامي الى تعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي والاعفاء من زيادات التأخير واجازة تقسيط الديون المتوجبة لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
المستدعون: النواب الياس حنكش، سليم الصايغ، وضاح صادق، نعمة فرام، جورج عقيص، ميشال ضاهر، فريد البستاني، أشرف ريفي، نديم الجميل، وميشال الدويهي.
إنّ المجلس الدستوري الملتئم في مقرّه بتاريخ 10/9/2026 برئاسة رئيسه القاضي طنوس مشلب وحضور الأعضاء القضاة: عوني رمضان، أحمد أكرم بعاصيري، البرت سرحان، رياض أبو غيدا، فوزات فرحات، ميشال طرزي، الياس مشرقاني وميراي نجم.
وبغياب نائب الرئيس القاضي عمر حمزة بسبب المرض.
بعد الاطلاع على ملف المراجعة،
وعلى التقرير الوارد في 31/8/2026،
ولدى التدقيق والمذاكرة تبّيّن أنّ النواب الواردة أسماؤهم أعلاه قدّموا إستدعاء بتاريخ 13/8/2026، سُجّل في قلم المجلس برقم 10/و/2026 طعناً بالقانون رقم 47 المنشور في الجريدة الرسمية عدد 32 تاريخ 30/7/2026 والرامي الى تعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي والإعفاء من زيادات التأخير وإجازة تقسيط الديون المتوجبة لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، طالبين قبول الاستدعاء شكلاً واتخاذ القرار فوراً بوقف مفعول القانون لحين إصدار القرار في الأساس وعرضوا الوقائع التالية:
1- أنّ القانون المطعون فيه أوجب على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، خلال سنة من تاريخ نشره، تقسيط الديون المتوجبة له لغاية 31/12/2025 لمصلحة من يطلب ذلك من أصحاب العلاقة، شرط تسديد دفعة أولى لا تقل عن 20% من قيمة الدين (المادة الأولى، البند الأول)؛ وأنّ هذه الديون حُدِّدت بأنها تلك الناتجة عن الاشتراكات وزيادات التأخير والفوائد ومبالغ التسوية المنصوص عليها في الفقرة 4 من المادة 54 من قانون الضمان الاجتماعي، والسندات المستحقّة وغير المسدّدة، المترتّبة بذمّة أصحاب العمل وسائر الأشخاص الخاضعين للضمان (المادة الأولى، البند الثاني)؛ وأنّ المادة الثالثة من القانون اعتبرت جميع الديون القائمة بذمّة أصحاب العمل، باستثناء ديون الدولة، والسابقة لتاريخ 31/12/2025، ديوناً لاغية تُشطب كلياً من قيود الصندوق دون حاجة إلى أي إجراء آخر؛
2- أنّ أجور المستخدمين والأجراء لدى غالبية أصحاب العمل في القطاع الخاص، إن لم يكن جميعهم، باتت، نتيجة الانهيار الحاد في سعر صرف الليرة اللبنانية الذي بدأ خريف عام 2019 وبلغ ذروته (141,000 ليرة للدولار الواحد) في 21/3/2023، تُدفع كلياً أو جزئياً بالدولار الأميركي؛ وأنّ ذلك تزامن مع تحوّل عدد كبير من أصحاب العمل إلى مدينين للصندوق باشتراكات ومبالغ تسوية وفوائد تأخير عن العاملين لديهم؛
3- أنّ دفع الأجور بالدولار الأميركي أو بعملة أجنبية أخرى استدعى تدخل المشترع، لجهة احتساب ضريبة الرواتب والأجور، بموجب المادة 35 من القانون النافذ حكماً رقم 10 تاريخ 15/11/2022، التي عدّلت الفقرة الأولى من المادة 63 من المرسوم الاشتراعي رقم 144 تاريخ 12/6/1959 (قانون ضريبة الدخل)، موجبةً على ربّ العمل اقتطاع الضريبة وأداءها إلى الخزينة بالليرة اللبنانية "بالقيمة الفعلية" التي تُحدَّد بقرار مشترك لوزارة المالية ومصرف لبنان؛
4- أنّه صدر تبعاً لذلك، بتاريخ 9/1/2023، القرار رقم 1/2 عن وزير المالية، محدداً أسعار الصرف المعتمدة لاحتساب الوعاء الضريبي (8,000 ليرة قبل 15/11/2022، و15,000 ليرة اعتباراً منه، مع سعر خاص للأجر المدفوع بشيك أو تحويل مصرفي داخل لبنان)؛ وصدر بالتاريخ عينه القرار رقم 1/3 عن وزير المالية وحاكم مصرف لبنان، محدداً القيمة الفعلية بالليرة اللبنانية للأجور المستحقة على أصحاب العمل والمدفوعة كلياً أو جزئياً بالدولار أو بعملة أجنبية أخرى؛
5- أنّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أصدر بتاريخ 5/9/2023 المذكرة الإعلامية رقم 714، موجباً على أصحاب العمل تسديد الاشتراكات وفق أحكام المادة 35 المذكورة والقرارين رقم 1/2 و1/3، أي على أساس أسعار الصرف المعتمدة لاحتساب الضريبة؛ ثمّ أصدر بتاريخ 1/2/2024 المذكرة الإعلامية رقم 740، التي قرّر بموجبها احتساب اشتراكات المضمونين على أساس سعر 89,500 ليرة اعتباراً من 1/2/2024، وذلك قبل صدور أيّ نصّ قانوني يحدد هذا السعر؛
6- أنّ المشترع تدخّل مجدداً، خصيصاً لجهة احتساب الضريبة على الرواتب والأجور المدفوعة بالعملة الأجنبية، بموجب المادة 18 من قانون موازنة عام 2024 رقم 324 تاريخ 12/2/2024، فنصّ على تحويل الأجر إلى الليرة اللبنانية وفق المادة 35 من القانون رقم 10/2022 لاحتساب الضريبة، ثمّ إعادة تحويل الضريبة المحتسبة إلى العملة الأجنبية وفق السعر الذي يحدده مصرف لبنان؛ واستثنى صراحة من نطاق هذا النص احتساب تعويضات نهاية الخدمة عن المرحلة السابقة لـ31/12/2023، محيلاً معالجتها إلى قانون خاص لاحق يصدر بعد إعادة تقييم هذه التعويضات؛ وأنّه صدر تبعاً لهذه المادة القرار رقم 1/302 تاريخ 2/4/2024، محدّداً سعر 89,500 ليرة للدولار الأميركي أو لأيّ عملة أجنبية أخرى، اعتباراً من 1/4/2024؛
7- أنّ المشترع يكون بذلك قد ميّز صراحة بين مسألتين: فحدّد أسس احتساب الضريبة على الأجور المدفوعة بالعملة الأجنبية، في حين استبعد من نطاق هذا التنظيم مسألة احتساب تعويضات نهاية الخدمة، وبالتبعية مقدار الاشتراكات المتوجّبة على أصحاب العمل عن الأجراء الذين يتقاضون أجورهم كلياً أو جزئياً بعملة أجنبية عن الفترة السابقة لنهاية عام 2023، محتفظاً لنفسه بصلاحية وضع القواعد الناظمة لهذه الجهة دون أن يفوّضها إلى أيّ سلطة أخرى.
8- أنّ القانون موضوع الطعن الراهن نظّم تقسيط ديون الصندوق المتوجّبة على أصحاب العمل، بما فيها الاشتراكات ومبالغ التسوية المرتبطة بأجور مدفوعة بعملة أجنبية، من دون أن يضع، هو بدوره، القواعد التشريعية اللازمة لتحديد أسس احتساب هذه الاشتراكات والمبالغ بالنسبة إلى هذه الأجور، رغم أنّ هذا الموجب محجوز للمشترع حصراً على ما تقدّم بيانه، الأمر الذي يشكل قصوراً تشريعياً موجباً لإبطال القانون المطعون فيه؛
9- أنّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بادر من جهته، بموجب مذكرته رقم 740، إلى اعتماد السعر الرسمي الأعلى المعتمد من مصرف لبنان (89,500 ليرة) أساساً لاحتساب اشتراكات المضمونين الذين يتقاضون أجورهم كلياً أو جزئياً بعملة أجنبية اعتباراً من 1/2/2024، وذلك خارج نطاق صلاحياته وخارج نطاق صلاحية أيّ سلطة إدارية أخرى، تبعاً لانحصار هذه الصلاحية بالمجلس النيابي وحده، على ما كرّسته المادة 18 من قانون موازنة عام 2024 وسواها من أحكام قانون النقد والتسليف.
وأدلوا في الشكل بأنّ المراجعة مستوفية لجميع شروطها الشكلية وفي الأساس بعدم دستورية القانون المطعون فيه لمخالفته مبدأ وضوح النص أو عدم فقهه ولإخلاله بالقاعدة الدستورية التي تحصر بالسلطة المشترعة وحدها وضع القواعد القانونية في المواضيع ذات الطبيعة المالية.
وتبين انه بتاريخ 18/8/2026 تداول المجلس في مسألة وقف مفعول القانون ولم يقرر ذلك وانه بتاريخ 31/8/2026 ورد التقرير.
بناءً عليه
أولاً- في الشكل:
حيث إنّ القانون المطعون فيه تمّ نشره في العدد رقم 32 من الجريدة الرسمية تاريخ 30/7/2026، ووردت المراجعة بتاريخ 13/8/2026، أي ضمن مهلة الخمسة عشر يوماً القانونية، موقّعة من عدد النواب المطلوب ومستوفيةً سائر الشروط الشكلية، فتكون مقبولةً في الشكل.
ثانياً- في الأساس:
حيث إنّ المستدعين يدلون بعدم دستورية القانون المطعون فيه لعدم وضوحه وفقهه ولاخلاله بالقاعدة الدستورية التي تحصر بالسلطة التشريعية وحدها وضع القواعد في المواضيع ذات الطبيعة المالية،
وحيث يقتضي البحث في مدى دستورية القانون المطعون فيه في ضوء ادلاءات المستدعين وما يمكن ان يثيره المجلس عفواً إذا لزم الامر.
1- في السبب المتعلّق بعدم وضوح النص أو عدم فقهه:
حيث إنّ الطاعنين يطلبون ابطال القانون المطعون فيه لعلّة عدم الوضوح أو عدم الفقه لدرجة تتجاوز حداً مفرطاً مبدّداً لمعناه، ذلك أنّه نظّم تقسيط ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (اشتراكات، زيادات تأخير، فوائد، مبالغ تسوية)، بدون أن يبيّن أسس احتساب هذه المبالغ عندما تكون الأجور المتوجبة عنها مدفوعة بعملة أجنبية كلياً أو جزئياً؛ خلافاً لما فعله المشترع صراحةً في المادة 35 من القانون رقم 10 تاريخ 15/11/2022 والمادة 18 من قانون موازنة عام 2024، اللتين حدّدتا آلية تحويل الأجر الأجنبي لغايات ضريبية، واستثنتا صراحةً احتساب تعويضات نهاية الخدمة عن الفترة السابقة لـ31/12/2023 بانتظار قانون خاص في هذا الشأن،
وحيث إنّ مبدأ وضوح النص وقابليته للفقه، والذي أضفى عليه المجلس الدستوري القيمة الدستورية، إنما يستهدف أساساً النص الذي يعتريه غموض، أي صياغة تحتمل قراءتين متعارضتين أو تعبيراً ملتبساً يجعل المعني بالنص عاجزاً عن فهم حقوقه أو التزاماته،
يراجع: (القرار رقم 3/2002 تاريخ 15/7/2002)،
"علماً بأنه من المعتمد في الاجتهاد الدستوري الأكثر حداثة أن عدم وضوح القانون المالي أو عدم فقهه لا يؤديان إلى إبطاله إلا عند تجاوزه حداً مفرطاً مبدداً معناه"،
وحيث إنّ القانون المطعون فيه واضح في ما نصّ عليه لناحية نطاقه الزمني المحدَّد، ونسبة الدفعة الأولى، ونسبة الإعفاء، وأجل تقديم الطلب، ومعدّل الفائدة وتدرّج الأقساط ونسب الإعفاء، وصياغته لهذه الناحية لا تحتمل أي تأويل، ما يوجب رد هذا السبب.
2-في السبب المتعلّق بالاختصاص المحجوز للقانون في المواضيع المالية والتي ترتب التزامات وموجبات على المعنيين بها والملزمين بتطبيقها:
حيث إنّ الطاعنين يدلون بأنّ القانون المطعون فيه يخالف أحكام الدستور التي تحظّر التفويض التشريعي بالمواد التي حفظها الدستور للقانون، الأمر الذي يقتضي معه ابطاله، ذلك أنّ تحديد أسس احتساب الاشتراكات ومبالغ التسوية، ولا سيما آلية تحويل الأجر الأجنبي، هو من طبيعة مماثلة لفرض الضرائب والرسوم (المادتان 81 و82 من الدستور)، وهو بالتالي من المواضيع المحجوزة حصراً للسلطة المشترعة، غير القابلة للتفويض؛ وأنّ عزوف القانون المطعون فيه عن معالجة هذه المسألة قد ترك فراغاً بادر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى ملئه من تلقاء ذاته بموجب مذكرته رقم 740 تاريخ 1/2/2024، التي اعتمدت سعر 89,500 ليرة لبنانية أساساً لاحتساب الاشتراكات، وذلك بدون أيّ سند تشريعي،
وحيث إنّه يقتضي بداية، عرض الاشكاليات التي يثيرها هذا السبب، وهي تتمحور حول مسألتين:
المسألة الاولى: هل يدخل تحديد أساس احتساب الاشتراكات العائدة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ضمن المواضيع المحجوزة للقانون، التي لا يجوز للمشترع التفويض بشأنها، أسوةً بالمادة الضريبية ؟
المسألة الثانية: هل يتضمن القانون المطعون فيه، أو قانون الضمان الاجتماعي (المرسوم رقم 13955 تاريخ 26/9/1963 وتعديلاته، وآخرها القانون رقم 319/2023 والمرسوم رقم 13619/2024)، والذي يعدّله القانون المطعون فيه، نصّاً يحدّد آلية تحويل الأجور المدفوعة كلياً أو جزئياً بعملة أجنبية؟ وهل تمّ التفويض بهذا الشأن من قبل المشترع؟
أ- في طبيعة الاشتراكات القانونية ومدى جواز التفويض بشأن تحديد الأساس الذي تحتسب بموجبه:
حيث إنّ الطاعنين يقيسون أساس احتساب الاشتراكات على المادة الضريبية، مستندين إلى المادتين 81 و82 من الدستور، فيقتضي بدايةً البتّ في هذا التكييف،
وحيث إنّ المادتين 81 و82 من الدستور تنصّان على ما يلي:
المادة 81- معدلة وفقا للقانون الدستوري تاريخ 21/1/1947
تفرض الضرائب العمومية ولا يجوز احداث ضريبة ما وجبايتها في الجمهورية اللبنانية إلا بموجب قانون شامل تطبق أحكامه على جميع الأراضي اللبنانية دون استثناء.
المادة 82- لا يجوز تعديل ضريبة أو الغاؤها إلا بقانون.
وحيث إنّ المادة 81 من الدستور المذكورة أعلاه تتعلق بـ "الضرائب العمومية" وبقانون "شامل تطبق أحكامه على جميع الأراضي اللبنانية"، وهي تتعلّق بالاقتطاع الذي يذهب إلى الخزينة العامة بلا مقابل ويخضع لمبدأ عدم التخصيص، وإنّ المادة 82 من الدستور معطوفة على المادة 81 منه تجعل من الضريبة مادةً محجوزة للقانون، فلا يجوز بالتالي التفويض بشأنها من قبل المشترع الى غيره، على ما استقرّ عليه اجتهاد هذا المجلس،
وحيث إنّه من بين هذه المواضيع التي يعتبرها الدستور صراحة في حمى القانون، ويحفظها حصرا له، فرض الضرائب والرسوم وجبايتها (المادتان 81 و82) وهو ما يتعلق بالمراجعة الحاضرة،
وحيث إنّه يستفاد من صراحة المادتين المذكورتين أعلاه، أنّ مجلس النواب هو الذي أناط به الدستور، دون سواه من السلطات، اختصاص فرض الضرائب وإحداثها والترخيص بجبايتها في الجمهورية اللبنانية، وذلك بموجب قوانين شاملة تطبق أحكامها على جميع الأراضي اللبنانية، دون استثناء، والمقصود بالنص الشامل أنّه يطبّق على أراضي الدولة بكاملها، وأنّه يعود لمجلس النواب أيضاً، دون سواه من السلطات تعديل الضرائب أو إلغاؤها بموجب قانون يصدر عنه،
وحيث إنّ الاشتراك العائد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي هو كناية عن عبء مالي الزامي يسدّد إلى مؤسسة عامة مستقلة مالياً وإدارياً، ويُخصَّص حصراً لتمويل تقديمات محدّدة، وله مقابل احتمالي،
وحيث إنّ هذا الاشتراك يتميز إذن عن الضريبة بخصائص جوهرية: فهو اقتطاع مخصَّص بوجهته، إذ لا يؤول إلى الخزينة العامة لتمويل النفقات العامة على وجه الشيوع، بل يُصار إلى تخصيصه لفروع الضمان التي يموّلها؛ وهو اقتطاع ذو مقابل (contrepartie)، إذ يمنح للمضمون ولذويه الحق في تقديمات محدّدة، فينتفي فيه الطابع المجاني الذي يميز الضريبة؛ وهو اقتطاع لا يخضع لمنطق المقدرة التكليفية التصاعدية الذي يحكم الضريبة، بل يُحتسب على نسبة من الأجر ضمن سقف،
وحيث إنّ هذا التمييز مستقر في القضاء الدستوري المقارن، الذي حصر باقتطاعات "الضريبة بجميع أنواعها" اجتهادَه المتعلق بمراعاة المقدرة التكليفية، معتبراً أنّ الاشتراك الاجتماعي cotisation sociale يتّسم، بالنسبة للمضمون، بطابع المقابل:
" ... les cotisations sociales, qui constituent des versements à caractère obligatoire ouvrant vocation à des droits aux prestations et avantages servis.... - Le Conseil constitutionnel réserve aux impositions de toute nature sa jurisprudence sur la prise en compte des facultés contributives. "
Conseil constitutionnel français, décision n° 2014-698 DC du 6 août 2014 et son commentaire officiel.
وحيث إنّ هذا التمييز هو ما حمل القضاء الدستوري المقارن على تكييف بعض الاقتطاعات المخصصة لتمويل الحماية الاجتماعية، وقد فقدت طابعها التقابلي، على أنها اقتطاعاتٍ ضريبيةً بالمعنى الدستوري (Décision n° 90-285 DC du 28 décembre 1990 loi de finances pour 1991) ، بينما اعتبرت محكمة العدل الأوروبية، من زاوية مغايرة، أنّ العبرة في التكييف بالوجهة والتخصيص لا بالتسمية: (Affaire C-34/98, Commission c. République française, arrêt du 15 février 2000, et affaire connexe C-169/98 du même jour - CRDS et CSG relevant du règlement n° 1408/71)،
وحيث يستفاد مما تقدّم أنّ الاشتراك المتوجب للصندوق لا يندرج، بمعناه الحصري، في مفهوم "الضريبة العمومية" الوارد في المادة 81 من الدستور، فلا يستقيم القول بأنّ كل تفويض بشأنه محظور بمقتضى هاتين المادتين، ولا سيما أنّ قانون الضمان الاجتماعي عينه قد أناط بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء تعديلَ الحد الأقصى للكسب الخاضع للحسومات (المادة 68 الفقرة 2)، وأناط بالنظام الداخلي للصندوق تحديدَ مسائل تقنية شتى (المادتان 69 و70)، وهي تفويضات جائزة طالما تبقى في حدود الإطار العام الذي رسمه التشريع،
وحيث إنّ انتفاء التكييف الضريبي بمعناه الضيق لا يعني أنّ الاشتراك متروك بكامل عناصره لتقدير الإدارة، إذ أنّ الاشتراك، وإن لم يكن من نوع الضريبة، يبقى عبئاً مالياً إلزامياً (prélèvement obligatoire) يُفرض على المكلَّف به بحكم القانون، تحت طائلة الملاحقة والتنفيذ الجبري، ويؤثر مباشرة في ذمته المالية، وهو لهذه الناحية يقع في مجال "الفرائض العامة" بالمعنى الوارد في المادة 7 من الدستور التي تنصّ على أن اللبنانيين "يتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم"،
وحيث إنّه سبق لهذا المجلس أن أدرج المساواة أمام الفرائض العامة والضرائب ضمن التطبيقات المكرَّسة لمبدأ المساواة، فقضى:
"وحيث إنّ مبدأ المساواة يحتل مكانةً فريدةً بين الحقوق الأساسية، إذ يشكّل حقاً أساسياً في حدّ ذاته وهو في الوقت عينه شرطٌ لممارسة حقوق أساسية أخرى مكرّسة في الدستور وفي اجتهاد المجلس الدستوري، كمساواة اللبنانيين في الوظيفة العامة، وفي حق الاقتراع والتمثيل السياسي، والمساواة بين المنتفعين من خدمات المرفق العام، والمساواة أمام الفرائض العامة والضرائب، وأمام القضاء، وغيرها، ما يجعله مفهوماً واسعاً يشمل في نطاقه حقوقاً أساسية أخرى" (القرار رقم 19/2022 تاريخ 22/12/2022)،
وحيث إنّه سبق أيضاً لهذا المجلس أن أعمل هذا المبدأ إعمالاً مباشراً في مادة العبء المالي، فاعتبر أن مضاعفة العبء على شريحة من المكلفين، من دون تبرير، تشكّل مخالفة دستورية لمبدأ المساواة أمام التكاليف العامة، وقضى في هذا الشأن:
"وبما أن الفقرة الأخيرة من ثانياً من المادة 17 تضاعف عبء الضريبة على شريحة من المكلفين بدون تبرير العبء المضاعف... لذلك يعتبر ما ورد فيها خرقاً لمبدأ المساواة أمام التكاليف العامة والضرائب، ومتعارضاً مع الفقرة (ج) من مقدمة الدستور، ومع المادة 7 من الدستور" (القرار رقم 5/2017 تاريخ 22/9/2017)،
وحيث إنّ القضاء الدستوري المقارن يُخضع الاشتراكات الاجتماعية بدوره لرقابة مزدوجة: رقابة على أساس مبدأ المساواة أمام القانون، ورقابة على أساس مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، مقرِّراً أنه يقتضي على المشترع أن يؤسّس تقديره على معايير موضوعية ومعقولة تبعاً للأهداف التي يتوخّاها، وألا يؤدي هذا التقدير إلى إخلال جسيم بالمساواة أمام الأعباء العامة (قرارات المجلس الدستوري الفرنسي: Décision n° 98-402 DC du 25 juin 1998، وDécision n° 2010-620 DC du 16 décembre 2010، و2011Décision n° 2011-158 QPC du 5 août )،
وحيث إن الوعاء (assiette)، أي المطرح الذي يُحتسب الاقتطاع على أساسه، هو العنصر المكوِّن الأول لأي عبء مالي إلزامي، إذ لا يُتصور تحديد مقدار العبء من دون تحديد وعائه، علماً أن سعر تحويل الأجر المقوَّم بعملة أجنبية إلى الليرة اللبنانية ليس تفصيلاً تطبيقياً من تفاصيل الجباية، بل هو تحديدٌ للوعاء ذاته، إذ إنّ اختلاف سعر التحويل يضاعف مقدار الدين أو يُنقصه أضعافاً مضاعفة، بما لا يقاس بأي أثر يمكن أن يترتب على إجراء تطبيقي،
وحيث إنّ التمييز الحاسم ليس بين "الضريبة" و"الاشتراك"، بل بين العنصر الجوهري المكوِّن للعبء المالي - وفي طليعته الوعاء وأساس تقويمه - وبين دقائق التطبيق والتنفيذ. فالأول من صميم الاختصاص التشريعي أياً كانت تسمية الاقتطاع، والثاني قابل للتفويض. وعليه، فإن تحديد أساس تقويم الأجر المدفوع بعملة أجنبية، لغايات احتساب الاشتراك، يقع في الشطر الأول لا في الثاني،
وحيث إنّ ما يعزّز هذا الاستنتاج أن المشترع نفسه، حين واجه المسألة عينها في المادة الضريبية، لم يتركها للإدارة بل تولاها بنص تشريعي صريح (المادة 35 من القانون رقم 10/2022، ثم المادة 18 من قانون موازنة 2024)، واستثنى صراحة تعويضات نهاية الخدمة عن الفترة السابقة لـ31/12/2023 من نطاق هذا التنظيم، محيلاً معالجتها إلى قانون خاص لاحق، وهو ما يؤكّد أنّ المشترع اعتبر المسألة من صميم اختصاصه.
ب- في خلوّ القانون المطعون فيه من تحديد آلية تحويل الأجور المدفوعة بعملة أجنبية:
حيث إنّه، بمراجعة النصّ الكامل والموحّد لقانون الضمان الاجتماعي المعدل بمواده السبع والثمانين كافة، لم يتبيّن ورود أية إشارة إلى الأجر المدفوع بعملة أجنبية، ولا إلى سعر صرف أو آلية تحويل، وإنّ جميع الأحكام المتصلة بالمقادير النقدية واردة بالليرة اللبنانية حصراً،
وحيث إنّ القانون المطعون فيه، الذي تولّى تعريف الديون الخاضعة له وتحديد نطاقها الزمني والإعفاء من قسم من زيادات التأخير وترتيب فوائد على المبالغ المقسّطة وإلغاء ديون سابقة، لم يتضمن بدوره أي بند يحدّد أساس احتساب هذه الديون حين تكون الأجور المتوجبة عنها مدفوعة بعملة أجنبية،
وحيث إنَّ المادة 68 (الفقرة 1) من قانون الضمان الاجتماعي تحدد الكسب الذي يُتخذ أساساً لحساب الاشتراكات بأنّه "مجموع الدخل المدفوع للعامل مقابل العمل أو بمناسبة العمل بما فيه جميع العناصر واللواحق"، فالأساس هو الأجر الحقيقي المدفوع فعلاً، وهو واقعة مادية تُثبت لا قيمة تُقدَّر تقديراً،
وحيث إنّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يملك سلطة تقدير عامة لهذا الأجر، إذ إنّ سلطة التقدير الوحيدة المقرّرة له بموجب المادة 78 هي سلطة استثنائية مشروطة بامتناع صاحب العمل عن تقديم المستندات بعد إنذاره، فلا تنطبق على صاحب العمل المصرِّح والملتزم،
وحيث يتبيّن من مراجعة مضمون المذكرة رقم 714 تاريخ 5 أيلول 2023 الصادرة عن المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المرفقة بمراجعة الطعن، أنّها نصّت على أن "تسدّد اشتراكات الصندوق عن الرواتب والأجور المدفوعة بعملة أجنبية، بالليرة اللبنانية وبالقيمة الفعلية التي دفعت فيها وفقاً للمادة 35 من القانون النافذ حكماً رقم 10 تاريخ 15/11/2022 المنشور في الجريدة الرسمية عدد 49 تاريخ 15/11/2022، والقرارين الصادرين عن وزير المالية رقم 2/1 تاريخ 9/1/2023 (تحديد دقائق تطبيق أحكام المادة 35 من القانون النافذ حكماً رقم 10 تاريخ 15/11/2022) ورقم 3/1 تاريخ 9/1/2023 (تحديد القيمة الفعلية بالليرة اللبنانية للرواتب والأجور التي تستحق على أرباب العمل لصالح العاملين لديها كليّاً أو جزئياً بالدولار الأميركي بأي عملة أجنبية أخرى"، فيكون الصندوق بذلك اعتمد الآلية التي أوجدها القانون من أجل احتساب الأجور المدفوعة بالعملة الأجنبية ولم يمارس سلطةً استنسابية في هذا الشأن،
وحيث إنّه لا يردّ على ذلك بأنّ المشترع عاد واستثنى صراحة في المادة 18 من قانون الموازنة لعام 2024 احتساب الديون المنصوص عليها في القانون المطعون فيه، إذ يتبيّن من صراحة المادة 18 أنّ الإرجاء الذي قرّره المشترع منصبّ حصراً على احتساب تعويضات نهاية الخدمة، أي على تحديد المبلغ المستحقّ للأجير عن المرحلة السابقة لـ31/12/2023، وهي مسألة تحكمها المادة 51 من قانون الضمان الاجتماعي،
وحيث إنّ الاستثناء التشريعي يفسَّر تفسيراً ضيّقاً ولا يقاس عليه، وإنّ إرجاء معالجة مسألة محدّدة لحين صدور قانون خاص - أي احتساب تعويضات نهاية الخدمة عن المرحلة التي تسبق 31/12/2023- لا يُفترض امتداده إلى موجبات لم يشملها النصّ صراحةً، إذ إنّ الديون المتوجّبة للصندوق، من اشتراكات وزيادات تأخير وفوائد تقوم على سند قانوني مستقلّ هو أحكام الاشتراكات والتحصيل المنصوص عليها في قانون الضمان الاجتماعي، وتنشأ في ذمّة صاحب العمل بصورة دورية وبمعزل عن أيّ واقعة انتهاء خدمة، فلا تندرج، بطبيعتها ولا بموضوعها، ضمن مفهوم احتساب تعويض نهاية الخدمة، باستثناء التسويات التي تدخل وحدها في احتساب تعويض نهاية الخدمة والتي قد تتأثر بأي قانون يعالج هذا الموضوع مستقبلاً،
وحيث إنّ رقابة المجلس الدستوري لا تتناول امتناع المشترع عن التشريع في مجال لم يلجه، إذ إنّ الملاءمة التشريعية تعود إليه وحده،
وحيث إنّه بالمقابل يراقب المجلس الدستوري القوانين الذي حجزها الدستور للمشترع ولم يستنفد اختصاصه فيها، فيترك من عناصره الجوهرية ما يؤول تحديده حكماً إلى سلطة أخرى، ما يعرّضه الى الاستنساب وعدم المساواة بين المكلفّين من الفئة عينها؛ وهو ما اصطُلح على تسميته "عدم الاختصاص السلبي" (incompétence négative)، وقد أرساه القضاء الدستوري المقارن منذ القرار رقم 67-31 DC Décision n° 67-31 DC du 26 janvier 1967 -، وتطوّر لاحقاً في سلسلة قرارات (83-165 DC، و86-217 DC، و93-322 DC، و2010-33 QPC)،
وحيث إنّ ثبوت عدم الاختصاص السلبي المحصور بتعويضات نهاية الخدمة عن المرحلة التي تسبق 31/12/2023، لم يقترن بعدم وضوح نص القانون المطعون فيه كما سبق بيانه، ولم يتبين انّه نتج عنه تفويض للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بخصوص احتساب الديون موضوع هذا القانون ، والذي قد يكون من شأنه الاخلال بمبدأ المساواة أمام الفرائض العامة،
وحيث إنّه يبنى على ما تقدّم خلو القانون المطعون فيه من أية أحكام تستوجب الإبطال لمخالفة الدستور وإن كان قد يتأثر تطبيقه بالقانون اللاحق الموعود،علماً انّ ابطال النص المطعون فيه يؤدي الى الغاء ما ورد فيه من أحكام مطابقة للدستور، وهي في مجملها مخففة للعبء كونها تعفي من قسم من زيادات التأخير وتلغي الديون السابقة لتاريخ 31/12/2000 وتتيح التقسيط،
وحيث تبعاً لما تقدم يكون هذا السبب مردوداً أيضاً.
لهذه الأسـبـاب
يقرّر بالاجماع:
أولاً- قبول المراجعة شكلاً وردها أساساً.
ثانياً- إبلاغ هذا القرار من رئاسة الجمهورية، رئاسة مجلس النواب، رئاسة مجلس الوزراء، ونشره في الجريدة الرسمية".























































