التقى البابا لاوون الرابع عشر، خلال الاستقبال العام في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، أعضاء اللّجنة التوجيهيّة لـ"منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسّسات الدّينيّة المتنوّعة في العالم العربي"، شاكرًا تعاونهم مع "مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار" (كايسيد)، ومؤكّدًا "دعمه لجهودهم الرّامية إلى تعزيز التعايش السّلمي في جميع أنحاء المنطقة العربيّة".
وأبدى، في كلمته الموجّهة لأعضاء اللّجنة، أمله في أن "تثمر جهودهم المبذولة لتعزيز التعايش السّلمي في المنطقة العربيّة"، معربًا عن تقديره "الهدف النّبيل الّذي جمع القيادات الإسلاميّة والمسيحيّة في روما".
واختَتم هذا اللّقاء اجتماع اللّجنة التوجيهية للمنصة لعام 2026، الّذي حدّدت فيه القيادات الدّينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة من مختلف أنحاء المنطقة العربيّة، أولويّات ملموسة للتعاون المستقبلي بشأن منع النّزاعات، وترسيخ الاستقرار في سوريا، والحوار بين الطوائف الإسلاميّة، ومكافحة خطاب الكراهيّة، فضلًا عن التأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي والذّكاء الاصطناعي.
مع الإشارة إلى أنّ بدعم من "كايسيد" ومنظمة المجتمع الإسلامي الإيطالي (COREIS)، جمع الاجتماع قيادات ومؤسّسات دينيّة وخبراء في مجال الحوار، لمراجعة الأعمال المنجزَة خلال عامَي 2025 و2026، وتحديد أولويّات المرحلة المقبلة للمنصة.
وجاء اللّقاء مع البابا لاوون ليتوّج مناقشات مستفيضة تركّزت حول تساؤل جوهري مشترك: "كيف يمكن للقيادات الدّينيّة العربيّة، المسلمة والمسيحيّة، الانتقال من الحوار إلى التعاون العملي، في ظلّ أوقات تشهد صراعات واستقطابًا وتغيّرات تكنولوجيّة متسارعة؟".
في هذا السّياق، أشار الأمين العام المكلّف لـ"كايسيد" السّفير أنطونيو دي ألميدا ريبيرو، إلى أنّ "في نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح المنصة بعدد الاجتماعات الّتي نعقدها، بل بما تتيحه تلك الاجتماعات من إمكانيّات وإنجازات لاحقة".
وأكّد المشاركون خلال الاجتماع، أنّ "المنصات الرّقميّة والذّكاء الاصطناعي يشكّلان بصورة متزايدة طريقة فهم المجتمعات لبعضها البعض. ورغم ما قد تسبّبه هذه الأدوات من سرعة في انتشار المعلومات المضلّلة وخطاب الكراهيّة والسرديّات الاستقطابيّة وتخطيها للحدود، إلّا أنّها تتيح في الوقت نفسه للقيادات الدّينيّة الوصول إلى مجتمعات تتجاوز بكثير دور العبادة التقليديّة".
كما ركّزت النّقاشات خلال الاجتماع، على "كيفيّة تسخير القيادات الدّينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة لوسائل التواصل الاجتماعي والذّكاء الاصطناعي كمحراك للخير، واستخدامها لتجاوز الحدود الجغرافيّة والثّقافيّة والدّينيّة، وتوسيع نطاق الحوار بين أتباع الأديان والثّقافات، ليصل إلى المجتمعات الأكثر حاجة إليه".
وأوضح الأمين العام المكلف لـ"كايسيد"، أنّ "مهمّتنا لا تكمن في إزالة الاختلافات، بل في ضمان ألّا تتحوّل هذه الاختلافات إلى حواجز تعيق التعايش السّلمي".
وقد تصدّر الشّأن السّوري أبرز محاور الاجتماع، فشدّدت وزيرة الشّؤون الاجتماعيّة والعمل السّوريّة والعضو المؤسّس في المنصة هند قبوات، على أنّ "مستقبل سوريا لا يتوقّف على إعادة بناء البنية التحتيّة فحسب، بل يعتمد على إعادة بناء الثّقة بين السّوريّين أنفسهم".
وأكّدت "ضرورة إشراك النّساء والشّباب والقيادات الدّينيّة والمجتمعيّة في المصالحة المحليّة، بوصفهم جهات فاعلة في رحلة تعافي سوريا"، مشيرةً إلى "وجوب حماية التنوّع باعتباره ثروةً وطنيّةً، بدلًا من تركه ليتحوّل إلى بؤرة للتوتر".
من جانبه، لفت كبير أساقفة مجمع خلقيدونية ورئيس مجلس إدارة "كايسيد" المطران إيمانويل أداماكيس، إلى أنّ "التحدّيات الّتي تواجه أي طائفة دينيّة تلقي بظلالها في نهاية المطاف على المجتمع بأسره"، مبيّنًا أنّ "عافية الآخر تمثّل شرطًا أساسيًّا لبقائنا".
أمّا رئيس مكتب دائرة الحوار بين أتباع الأديان في الفاتيكان، وعضو مجلس إدارة "كايسيد" الأب لوران باسانِيزي، فاعتبر في كلمته خلال الاجتماع، أنّ "مصداقيّة الحوار بين أتباع الأديان تعتمد بشكل متزايد على قدرتنا على ترجمة النّوايا الحسنة إلى مبادرات مستدامة ذات نتائج ملموسة على المجتمعات".
وسلّطت الكلمة الضوء تحديدًا على المخاطر المترتبة على تضخيم التحريض على الكراهيّة عبر وسائل الإعلام الرّقميّة، داعيةً إلى "مواصلة الانخراط المستدام في المدارس والجامعات والمجتمعات الدّينيّة ووسائل الإعلام والمنصات الرّقميّة، لا سيّما في أوساط الأجيال الشّابة".
بدوره، أشار رئيس المجلس الأوروبي للقيادات الإسلاميّة (EuLeMa)، ونائب رئيس الجماعة الدّينيّة الإسلاميّة الإيطاليّة (COREIS)، وإمام مسجد الواحد المركزي في ميلانو يحيى بالافيتشيني، إلى أنّ "اجتماع روما برهن أيضًا على أهميّة تعزيز التعاون بين أوروبا والمنطقة العربيّة".
وأعلن "أنّنا مهتمون جدًّا بالاستماع والتعلم حول سبل التعاون المشترك بين أوروبا والعالم العربي"، مشدّدًا على أنّ "القيادات الدّينيّة في كلتا المنطقتَين تقع على عاتقها مسؤوليّة الحوار والتعاون عبر إجراءات ملموسة، والمساعدة في ترسيخ الكرامة والتعايش والقيم الإنسانيّة المشتركة".
يُذكر أنّ "مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار" (كايسيد) يتخذ من العاصمة البرتغاليّة لشبونة مقرًّا له، وهو منظمة حكوميّة دوليّة فريدة من نوعها، تعمل على تعزيز وتوظيف الحوار بين أتباع الأديان، لدعم منع نشوب النّزاعات وحلّها، وإرساء السّلام المستدام والتماسك الاجتماعي، فضلًا عن تشجيع الاحترام والتفاهم المتبادل بين شتّى المجموعات الدّينيّة والثّقافيّة؛ والتصدّي لإساءة استخدام الدّين لتبرير القمع والعنف والصراع.

















































