على وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، التي تحاول السلطة الرسمية الحدّ منها من خلال تعزيز الإجراءات الأمنية في المناطق غير المحتلة، لم يكن تحذير رئيس مجلس النواب نبيه بري من خطورة الوضع في البلاد تفصيلًا عابرًا، إذ أشار إلى أن الحلول لا تزال بعيدة، وأن اتفاق الإطار قد طار.
ما تحدّث عنه بري يعبّر فعليًا عن حقيقة الواقع القائم في الجنوب، نظرًا إلى عدم وجود ما يمكن أن يردع إسرائيل، سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي. وبالتالي، من الممكن أن تبادر إلى مزيد من التصعيد في المرحلة المقبلة، خصوصًا أن الجانب الأميركي، الذي كان من المفترض أن يمارس ضغوطًا عليها بموجب رعايته اتفاق الإطار، بات يحمّل في العلن «حزب الله» وحده المسؤولية، انطلاقًا من أن المطلوب منه المبادرة إلى تسليم سلاحه. أما بعيدًا عن الأضواء، فيكرر الدعوات إلى انتظار انتهاء انتخابات الكنيست في الشهر المقبل، على قاعدة أن الأمور قد تتبدّل بعد ذلك.
استكمال المشهد يتطلب أيضًا التأكيد أن اتفاق الإطار ليس وحده الذي طار، بل كذلك مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، التي كان يُعوَّل عليها في إنجاز ترتيبات أفضل للواقع على الجبهة اللبنانية، خصوصًا أن طهران تؤكد أنها لن تذهب إلى أي اتفاق نهائي مع واشنطن قبل ضمان انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان. ويأتي استمرار التوتر على هذا المسار ليؤكد صعوبة تحقيق اختراق، بعدما دفعت التطورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أكثر من مناسبة، إلى نعي هذه المذكرة، ما يعني أن الوصول إلى حل في وقت قريب يبدو صعبًا، لا سيما في ظل الرهانات المفتوحة على نتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة.
ما تقدّم يعني أن الجنوب اللبناني سيكون أمام مرحلة جديدة من دفع الأثمان، في ظل رهانات متوزعة بين سلطة رسمية تنتظر ما قد تقوم به واشنطن من ضغوط على تل أبيب، و«حزب الله» الذي يأمل في إعادة قلب المعادلات من جديد، استنادًا إلى أي تحوّل محتمل في المسار الأميركي ـ الإيراني. خصوصًا أن قرار دخول الحرب الحالية، وفق الأسباب الموجبة التي تُقدَّم، يعود إلى فرضية مفادها أنها كان من المفترض أن تحول دون استمرار الواقع الذي كان قائمًا قبلها، أي خلال الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار الذي أنهى عدوان أيلول من العام 2024، حين كانت إسرائيل تواصل اعتداءاتها بشكل يومي.
وسط هذه الأجواء، يبرز السؤال حول جلسة المساءلة النيابية لحكومة نواف سلام، يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين، التي يُرجّح أن تتحول إلى حلبة مزايدات بين الأفرقاء السياسيين، في ظل الانقسام القائم، فضلًا عن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعانيها المواطنون. وهذا ما دفع البعض إلى طرح علامات استفهام حول ما إذا كان المطلوب من الجلسة أن تكون منصة لاستهداف الحكومة.
إلا أن ما ينبغي التنبه إليه هو أن العنوان الأبرز في هذه الجلسة سيبقى الأوضاع في الجنوب، بين كتل نيابية ستعمد إلى التصويب على اتفاق الإطار، من منطلق الدعوة إلى الخروج منه، وأخرى ستؤكد أن الجانب الرسمي لم يتخذ الإجراءات المطلوبة لنزع سلاح «حزب الله»، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي نتيجة عملية، باستثناء احتمال زيادة حدة التوترات الداخلية.
من حيث المبدأ، من الصعب توقّع أن تؤدي هذه الجلسة، كما يظن البعض، إلى إطلاق حملة لإسقاط الحكومة نفسها، نظرًا إلى أن المسألة مرتبطة بما هو أبعد من الساحة المحلية، أي بالحسابات الإقليمية التي يدرك معظم الأفرقاء مخاطر المسّ بها في المرحلة الحالية. وبالتالي، لن تكون الجلسة أكثر من مجرد «تنفيسة»، في وقت سيستمر فيه الجنوبيون في دفع ثمن باهظ للمرحلة الفاصلة عن الوصول إلى التسوية المنتظرة، التي من المؤكد أنها ستكون عابرة للحدود.
























































