تفصل أكثر من ألفي كيلومتر بين مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان وجزيرة بريم اليمنية، لكن التطورات في الموقعين ترسم صورتين متعاكستين لحلفاء إيران. ففي لبنان، يواجه "حزب الله" تضييقًا عسكريًا إسرائيليًا وضغطًا سياسيًا داخليًا ومسارًا تفاوضيًا تديره الدولة من دونه. وفي اليمن، وصل الحوثيون إلى جزيرة تتحكم بمداخل باب المندب، بعد تقدمهم على الساحل الغربي وسيطرتهم على المخا وذباب، وفق مصادر حكومية يمنية.
لا تعكس المفارقة تفاوتًا في النتائج الميدانية فقط. فجبهة لبنان تُسحب تدريجيًا من منطق المواجهة المفتوحة إلى ترتيبات تتصل بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش وحصر السلاح، بينما تتحول الجبهة اليمنية إلى مصدر تهديد مباشر للملاحة والطاقة والسعودية. هكذا يخسر حليف إيران اللبناني جزءًا من حرية حركته، في اللحظة التي تتضاعف فيها القيمة الاستراتيجية لحليفها اليمني.
يصعب اختزال ما يجري بانتقال بسيط وتلقائي للنفوذ من ساحة إلى أخرى. فـ"حزب الله" يحتفظ بموقع سياسي وعسكري لا يملكه الحوثيون، فيما يمنح باب المندب الجماعة اليمنية قدرة على إنتاج أثر دولي لا يتناسب مع حجمها العسكري. الأهم أن طهران تبدو أمام شبكة لم تعد ساحاتها متساوية في الوظيفة والكلفة والعائد. فهل تعيد الحرب ترتيب أوزان حلفاء إيران، وأين يقع لبنان داخل هذا الترتيب؟
القوة لا تُقاس بعدد الصواريخ
في المبدأ، يمكن القول إنّ الموقع المتقدم لـ"حزب الله" داخل شبكة حلفاء إيران استند إلى ثلاثة عناصر، فهو يمتلك ترسانة قادرة على تهديد إسرائيل، إضافة إلى خبرة عسكرية وتنظيمية راكمها عبر عقود طويلة، فضلاً عن حضور سياسي يتيح له التأثير في مؤسسات الدولة اللبنانية. وكان الحزب، وفق هذه المعايير، النموذج الأكثر اكتمالًا للمشروع الإيراني خارج الحدود، خصوصًا في الفترات الأخيرة.
أدخلت الحرب تعديلًا جوهريًا على هذه المعادلة. فامتلاك القوة العسكرية لم يعد كافيًا عندما يصبح استخدامها مكلفًا إلى درجة تهدد البيئة التي تستضيفها، وعندما ينجح الخصم في تحويل التفوق الجوي والاستخباري إلى احتلال للأرض وتدمير للبنية العسكرية. وقد قدّمت معركة علي الطاهر مثالًا واضحًا، فتمسّك الحزب بالموقع لم يمنع إسرائيل من تدمير منشآت وأنفاق فيه، ثم استخدام العملية لإعلان استكمال تنظيم "المنطقة الأمنية" التي تريد فرضها داخل لبنان.
لا تعني هذه النتيجة انتهاء قدرة الحزب أو خروجه من الحسابات الإقليمية. لكنها تكشف، في المقابل، أن قيمة أي حليف لا تُقاس بما يملكه وحده، وإنما بما يستطيع استخدامه من دون أن يتحول الاستخدام إلى عبء سياسي واجتماعي عليه. هنا بدأت الفجوة بين لبنان واليمن تتسع.
لماذا ضاقت هوامش "حزب الله"؟
يتحرك "حزب الله" داخل دولة لها حكومة وجيش ومؤسسات وعلاقات خارجية، حتى عندما تكون هذه الدولة ضعيفة. لذلك لا يستطيع فصل خياراته العسكرية عن نتائجها على بقية اللبنانيين، ولا تجاهل مطالب النازحين بالعودة أو حاجة المناطق المدمرة إلى الإعمار أو مطالبة القوى السياسية بحصر قرار الحرب بالدولة.
في هذا السياق، أضاف اتفاق الإطار قيدًا جديدًا. فقد وافق لبنان على مسار يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بانتشار الجيش ونزع المظاهر المسلحة، وبدأ مفاوضات مباشرة مع إسرائيل رغم اعتراض الحزب. وبذلك، أصبحت الدولة صاحبة المسار التفاوضي، بينما وجد "حزب الله" نفسه خارج الطاولة وفي قلب جدول أعمالها، إذ إنّ المفاوضين يناقشون سلاحه وانتشاره ومستقبل مناطقه من دون أن يكون ممثلًا رسميًا بينهم.
تستثمر إسرائيل هذا الانقسام لرفع ثمن الانسحاب. فهي تربط خروجها من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح الحزب، وتستخدم الغارات والاحتلال لإجبار لبنان على تنفيذ التزاماته أولًا. في المقابل، يقول الحزب إن تسليم السلاح في ظل بقاء الاحتلال يلغي وسيلة الضغط الوحيدة على إسرائيل. النتيجة ليست توازن ردع، وإنما حلقة مغلقة يتحمل الجنوب كلفتها، فإسرائيل لا تنسحب قبل نزع السلاح، والحزب لا يناقش سلاحه قبل الانسحاب.
الحوثيون وقيمة الموقع
في المقابل، يعمل الحوثيون ضمن شروط مختلفة. فهم يسيطرون بقوة الأمر الواقع على مساحة واسعة ومؤسسات محلية، ولا يشاركون سلطة مركزية قادرة على إلزامهم بقرارها. كما أن خصومهم اليمنيين منقسمون، فيما تتجنب السعودية العودة إلى حملة عسكرية واسعة يمكن أن تستدعي مزيدًا من الهجمات على منشآتها ومدنها.
منحت هذه الظروف الحوثيين فرصة للتقدم، لكن القيمة الحقيقية لما حققوه تأتي من الجغرافيا. فالوصول إلى المخا وذباب وجزيرة بريم يضعهم عند باب المندب، حيث تمر السفن بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. لا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق المضيق كاملًا كي يتركوا أثرًا عالميًا؛ يكفي أن يرفعوا مخاطر المرور وكلفة التأمين أو يدفعوا السفن إلى مسارات أطول.
تزداد أهمية هذه الورقة مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز بفعل الحرب الإيرانية-الأميركية. فقد اعتمدت السعودية بصورة أكبر على طريق البحر الأحمر لتصدير النفط، ما جعل تقدم الحوثيين تهديدًا لواحد من البدائل التي يفترض أن تقلل أثر تعطل هرمز. بهذا المعنى، لا تمنح بريم الحوثيين أرضًا إضافية فقط، وإنما تمنح إيران قدرة على الضغط قرب مضيقين في وقت واحد.
واشنطن تفكك الشبكة بأدوات مختلفة
تتعامل الولايات المتحدة مع حلفاء إيران باعتبارهم شبكة واحدة عند تحديد الخصم، لكنها لا تواجههم بالأداة نفسها. استهدفت العقوبات الأخيرة أفرادًا وكيانات في لبنان والعراق وتركيا والإمارات، قالت واشنطن إنها تدعم "حزب الله" و"كتائب حزب الله"، ضمن حملة أوسع لتقليص قدرة طهران على تمويل حلفائها ونقل الأموال إليهم.
غاب الحوثيون عن الحزمة نفسها، على الرغم من أن تقدمهم يهدد الملاحة الدولية بصورة أكثر مباشرة. لا يكشف ذلك تساهلًا أميركيًا بقدر ما يعكس مأزقًا في اختيار وسيلة المواجهة. ففي لبنان، تستطيع واشنطن الجمع بين العقوبات والضغط السياسي والمفاوضات والعمليات الإسرائيلية. أما في اليمن، فقد أثبتت سنوات الحرب أن الغارات وحدها لا تفكك بنية الحوثيين، وأن التدخل البري يفتح مواجهة مكلفة وغير مضمونة.
لعلّ ما يؤكد هذا التردد هو رفض إدارة ترمب، بحسب تقارير أميركية، الاستجابة لطلب سعودي بتنفيذ ضربات مباشرة، مع عرض المساعدة الاستخبارية وتحديد الأهداف. تستطيع واشنطن معاقبة الشبكات المالية المرتبطة بطهران، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما يتحول نفوذ تلك الشبكات إلى سيطرة جغرافية على ممر بحري.
ماذا يعني تبدل الأوزان للبنان؟
لا يحل الحوثيون محل "حزب الله" في الاستراتيجية الإيرانية. فالحزب يبقى الحليف الأقرب إلى إسرائيل جغرافيًا، ويمتلك وزنًا سياسيًا وقدرات عسكرية راكمتها طهران خلال عقود. ما يتغير هو الوظيفة المطلوبة منه، فبدل استخدام ترسانته باستمرار، قد تصبح الأولوية الإيرانية الحفاظ على ما تبقى منها ومنع الدولة اللبنانية وإسرائيل من تفكيكها.
في المقابل، يستطيع الحوثيون تولي وظيفة هجومية أوسع، لأن موقعهم يسمح لهم بتهديد الملاحة والسعودية وإمدادات الطاقة. يمنح ذلك طهران ورقة ضغط لا تتطلب تحميل الساحة اللبنانية جولة جديدة من الدمار، لكنه قد يضع لبنان أيضًا داخل مساومة إقليمية تتجاوز حدوده.
قد تدفع قوة الورقة اليمنية إيران إلى إبداء مرونة أكبر في الجنوب، إذا رأت أن حماية نفوذ "حزب الله" السياسي أهم من استنزافه عسكريًا. وقد تدفعها إلى تشديد تمسكها بسلاحه، خشية خسارة موقعها المشرقي في الوقت الذي تدخل فيه اليمن مواجهة مفتوحة مع السعودية والولايات المتحدة.
تكشف الحصيلة أن "وحدة الساحات" لم تعد تعني وحدة الأدوار. لبنان يتحول إلى ساحة دفاع عن النفوذ، واليمن إلى ساحة لتوسيع الضغط، والعراق إلى ممر تحاول واشنطن إغلاقه ماليًا وسياسيًا. لا ينتقل مركز الثقل الإيراني كاملًا من الجنوب اللبناني إلى باب المندب، لكنه يعاد توزيعه وفق قدرة كل ساحة على إيلام الخصوم بأقل كلفة ممكنة. أما لبنان، فيجد نفسه مطالبًا بحسم خيارات تتعلق بأرضه وسلاحه ودولته، بينما تتغير قيمة أوراقه ضمن مواجهة تمتد من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز.





















































