أحيت طائفة الموحدين الدروز في لبنان امس الجمعة الذكرى السنوية لزيارة مقام النبي أيوب (ع) في بلدة نيحا الشوف، في لقاء روحي - اجتماعي جامع، تحول خلاله المقام إلى منارة للتلاقي ووجهة سنوية لتجديد العهد على الثوابت الدينية والوطنية.
وأشار شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، الى أن "النبي أيوب (ع) يجسد أحد أرقى معاني التوحيد والإنسانية، بل يشكل مدرسة من مدارسهما، إذ هو عنوان أسمى للعطاء والجود، ومعنى أبهى للرضا والتسليم والقبول والصبر على الابتلاء، ودرس أوفى في مسلك الترقي من خلال الألم والعجز، لا من خلال القوة والعافية فحسب".
وذكر أن "ما تعلمناه من سيرة النبي أيوب (ع)، نعتز به بوجود هذا المقام الشريف في ديارنا، ولنا في ذلك عبرة نتناقلها جيلا بعد جيل، وسيرة نستوحي منها معاني الصبر والرضا والتسليم، والتجذر في الأرض وفي العقيدة، فقد ارتبط اسم "النبي أيوب" باسم الجبل والشوف، وباسم بلدة نيحا الأبية، فاحتضنها المقام الطاهر بطيفه الممتلئ نعمة وبهاء، واحتضنته هي بعيون أبنائها وشغاف قلوبهم وعزم أياديهم، فكان هذا الشرف المعلق على كتف جبلنا الأشم".
وفي كل مقام من مقاماتنا، ومن هذا المقام المبارك بالذات، نعيش لحظات الخشوع والسكينة والتأمل، ومن أرفع قمم التوحيد ومسالك التقوى نطل على معارج الحياة بخشوع ورجاء، لعل الإيمان في قلوبنا يرفعنا فوق تلال الهوى وهضاب المادة، ولعل العودة إلى الذات تنقذنا من الضلال والضياع، ونعمة الصبر والقرب من الله تعيد الأمل إلى اليائس، والعافية إلى السقيم، والطمأنينة إلى القلق، والراحة إلى المتعب المنهك، فينهض من جديد، ولعلها تثبت عزيمة القوي، وتشحذ إرادة المتمكن فيزداد تقدما في تطهير النفس وعمل الخير وخدمة المجتمع.
وقال "من مقام النبي أيوب (ع) وطبيعة موقعه الجذابة، حيث القمم العلية والسفوح الأبية، نطل كذلك على التاريخ بكل تضاريسه ومنعطفاته، لنشهد من هنا على الانتصارات والبطولات والتضحيات، وكذلك على الخيبات والانكسارات، ونؤكد أننا هنا باقون بعونه تعالى، وإن تكسرت الأغصان وتناثرت الأشلاء يوما، لكن جذور التوحيد ثابتة لا تنكسر، وإرادة البقاء قوية لا تتأثر برياح عدوانية من هذه الجهة أو بتيارات هدامة من تلك الجهة، وكم هي كثيرة وخطيرة تلك الرياح والتيارات؛ فكرية واقتصادية وعسكرية، داخلية وخارجية، تدفعنا حينا للانحناء والحذر كي لا تقتلعنا العاصفة، وأحيانا عديدة للتصدي البطولي كي نحفظ الأرض ونصون العرض ونتمم الفرض، وتحثنا دائما للتسلح بالإيمان واليقين ووحدة الموقف قبل أي سلاح آخر، وللتخصل بخصال التوحيد والاجتماع على كلمة الحق، فالحق أحق أن يتبع، وللتوحد في مواجهة كلمة الباطل، فالباطل أولى أن يرفض وعنه يرتدع".
وشدد أبي المنى، على أن "العقيدة التوحيدية ثابتة، والتقيد بتعاليم حفظ الإخوان ليس اجتهادا، بل هو فرض واجب، والاختلاف في الرأي لا يجوز أن يخرجنا عن النهج الصحيح، ومشيخة العقل التي نمثل هي موقع ديني اجتماعي وطني، يخدم جميع أبناء الطائفة دون استثناء، ويعمل على ضمان حقوقها، وهذا ما يستوجب منا الرؤيا الشاملة وما يحتم علينا التحدث بمسؤولية بعيدا عن التجاذبات والمواقف الشخصية، وما يضع كل واحد منا أمام مسؤولياته، لتقديم ما أمكن من جهد لتعزيز وضع الطائفة، والوقوف سدا منيعا في وجه ما يحاك من مؤامرات لعزل أهلنا عن واقعهم، ولتشويه هويتهم وتفريق صفوفهم، فنحن روح واحدة؛ حقيقتنا ومظاهرنا ومعالمنا ومقاماتنا واحدة أينما كنا، فليتحمل كل منا مسؤولياته وليقدم ما هو أنسب لنصرة الطائفة وتوحيد صفوفها، ولنترك الأمور السياسية والتجاذبات الإقليمية لأهلها، فنحن، من موقعنا الديني، مطالبون قبل غيرنا بالتواصل فيما بيننا، والتعاون لمواجهة الخطر المحدق بأوطاننا".























































