جَبَلُ عامِلُ-لبنانُ الجَنوبِيُّ. هوَ "جَبَلُ الجَليلِ"، على ما يَذكُرُ إبنُ الأثيرِ. وَقَد جاءَ عَنِ النَبيِّ مُحمَدَّ قَولُهُ: "الجَليلُ جَبَلٌ مُقَدَّسٌ، والفِتنَةُ لَمَّا ظَهَرَت في بَني إسرائيلَ أوصى اللهُ تَعالى الى انبِيائِهِمِ أن يَفُرّوا بِدينِهِمِ الى جَبَلِ الجَليلِ."
هوَ لبنانُ.
مَوطِنُ الكَنعانِيِّينَ-الُلبنانِيِّينَ، مُنذُ الاوائِلِ العُصورِ. وَقَد تَلَوَّنَت تَسمِيَتُهُ، شامِلاً ثَمانيَ نَواحٍ: أربَعٌ في القِسمِ الجَنوبيِّ مِنهُ، وَهيَ هونينُ وقاعِدَتُها بِنتُ جُبَيلَ، وَتِبنينُ وَقاعِدَتُها تِبنينُ، وَساحِلُ قانا وَقاعِدَتُهُ قانا، وَساحِلُ مَعرَكَةَ وَقاعِدَتُهُ صورُ. وأربَعٌ في القِسمِ الشَماليِّ مِنهُ، وَهيَ ناحِيَةُ الشقيفِ وَقاعِدَتُها النَبَطِيَّةُ، وَناحِيَةُ الشومَرَ وَقاعِدَتُها أنصارُ، وَناحِيَةُ التُفاحِ وَقاعِدَتُها جْباعُ، وَمُقاطَعَةُ جِزّينَ وَقاعِدَتُها جِزّينُ.
أعُرِفِ بِ"عامِلَةَ" نِسبَةً الى "عامِلَةَ القَضاعِيَّةَ" المَرأةَ المُتَنَّصِرَةَ وَقَبائِلَ غَسّانَ وَتَغلِبَ وَتَنّوخَ وَلَخمَ وَجَزامَ وَسَليحَ، ألْكانَت قَبلَ الإسلامِ في حُكمِ هِرَقلَ الإمبراطورِ البيزَنطيِّ (610-641 م.) مَن خاضَ حَرباً ضِدَّ الفُرسِ (622 م.) لِإستِعادَةِ عودِ الصَليبِ، وَمِنها تَقليدُ إضرامِ النارِ إيذاناً بِإستِعادَتِهِ في مَحَلَّةِ البُرجِ قُربَ مَقامِ سَيِّدَةِ المَنطَرَةِ في مَغدوشَةَ، قَلبُ الجَبَلِ؟ ألَم يَذكُر اليَعقوبِيُّ (مُتَوفّي 284 ه.): "جَبَلُ الجَليلِ وَأهلُهُ قَومُ عامِلَةَ"؟ وَعَلَيهِ، تَكونُ حُدودُهُ مِن نَهرِ الفَرديسَ المَعروفِ بِالأَوَّلي شَمالاً، وَنَهرِ أبي فَطرَسَ المَعروفِ بِوادي القَرنِ جَنوباً، والبَحرُ حَدَّيهُما غَرباً، وَوادي التَيّمِ فَالبِقاعِ الغَربيِّ الى بانياسَ والحولَةَ وَصَفَدَ فَطَبَرَيَّةَ شَرقاً...
ألَم يُعرَفُ بِ"بِلادِ بشارَةَ" نِسبَةً الى بِشارَةِ المَلاكِ جِبْرائيلَ لِلعَذراءِ مَريَمَ ساكِنَتِهِ؟ ألَم يَنسُبهُ مُؤَرِّخُ رِحلَةِ المَلِكِ الأشرَفِ المَملوكِيِّ الى "إبنِ بشارَةَ (909 ه.-1504 م.) ألْكانَ مِن مُقَدَّمي بِلادِ صَفَدَ الَذينَ أُلبِسوا تَشاريفَ شَريفَةٍ مِن قِبَلِ المَلِكِ الأشرَفِ (1477 م.)"، والدِراساتُ العامِلِيَّةُ تُعيدُ نَسَبَ إبنِ بشارَةَ الى عامِلَةَ نَفسِها؟ وَعَلَيهِ، يُؤَكِّدُ الحَسَنُ بِن أحمَدَ بِن يَعقوبَ الهَمَزانِيُّ "أنَّ عامِلَةَ في جَبَلِها مُشرِفَةٌ عَلى طَبَرَيَّةَ، وَجَبَلَ عامِلَةَ مُشرِفٌ عَلى عَكّا..."
هوَ لبنانُ.
في صَفائِهِ، إختِلاطُ التاريخِ بِالإنسانِ. وَفي هَدأتِهِ رُنوُّ مَغدوشَةَ، وَإنتِظامُ العُلَماءِ، وَقُطبُ الشُعَراءِ، وَطَبائِعُ الأبطالِ. فَإلى المَسيحِيَّةِ فيهِ، المُسلِمونَ فيهِ مِنَ الشيعَةِ والسُنَّةِ، وَفيهِ الدُروزُ.
نَفَحاتُ القَناعَةِ
لبنانُ الجَنوبِيُّ-جَبَلُ عامِلُ، حَزمُ النُموِّ في قَناعَةِ الوجودِ وَجَوهَرِ الحَياةِ. في ذاكَ الأمرِ الدافِقِ لِقاءً فَتَلاقِياً بَينَ قُطبَي: القَناعَةِ والنَفَحاتِ.
هوَ لبنانُ: نَفَحاتُ القَناعَةِ.
في العَدلِ. في إشتِياقِ التَصميمِ المَوروثِ ذاكِرَةً لِلكُلِّ. في فَرادَةِ التَوكيدِ عَلى أنَّ الهُوِيَّةَ هيَ قَبلَ أيِّ أمرٍ وَحَتَّى ما بَعدَ آخِرِ أمرٍ: الحُرِيَّةُ.
نَفَحاتُ القَناعَةِ: هيَ لبنانُ-جَبَلُ-عامِلُهُ. وَحدَها-وَحدَهُ مُواجَهَةُ الظُلمِ لا بِالمَراثِيَ، وَقَدَرِيَّةِ الإنحِسارِ لا بِزَبائِنَّياتِ التَخاذُلِ، وَنَفاذِ الإنهِزامِيَّاتِ لا بَتَلازُمِ الراشينَ والمُرتَشينَ.
في إلحاحِها تِلكَ النَفَحاتُ، عِصمَةُ المَوهوبِ بِالإخلاصِ لِلواهِبِ. ألَيسَ المَوهوبُ لبنانَ، والواهِبُ الأُلوهَةَ، والأُلوهَةُ غُلوَّ الفَوقِ... بِالإخلاصِ لِأهلِ أرضٍ؟ الواهِبُ مِن فَوقَ، جالِسٌ في النورِ، والمَوهوبُ ها هُنا نورٌ مِن نورٍ، واقِفٌ في الحَقيقَةِ، لا يُغرِقهُ طوفانٌ وَلا يُبيدُهُ مَوتٌ.
في تَوَهُّجِها تِلكَ القَناعَةُ، الجَمالُ الأوَّلُ: الطالِعُ مِن أُلوهِيَّةِ هَذِهِ الأرضِ الُلبنانِيَّةِ. بِتَجانُسِ الرِضى، وَهوَ كِفاحُ الجَدِّ.
لبنانُ الجَنوبِيُّ-جَبَلُ عامِلُ، تَراصٌّ هوَ: مَقاديرُ الشَهادَةِ حَتَّى الإستِشهادِ عَلى صَليبٍ إستُعيدَ، والإستِشهادُ حَتَّى القيامَةِ المُحَرِّرَةِ حَضارِيَّاً بِالتَكثيفِ. قُلّ: بِإفاضَةِ الإنبِثاقِ. مِنَ الرُؤَى الى الكَشفِ. مِنَ الدَيمومَةِ الى الحَقِّ. بِالطالِعينَ مِنَ الطُهرِ، الواقِفينَ أبَداً فيهِ.

























































