يحظى الجيش اللبناني بتأييد يصعب أن تحظى به مؤسسة أخرى في البلاد، لكن هذا التأييد يخفي خلافًا على ما يُنتظر منه. فالقوى التي تتفق على ضرورة دعمه تختلف عند تحديد أولوياته، وتوقيت خطواته، وحدود دوره في معالجة أزمة السلاح. كذلك، فإن الاتفاق الدولي على أهميته للاستقرار اللبناني لا يعني بالضرورة الاتفاق على حجم القوة التي ينبغي منحه إياها، أو على الظروف السياسية التي تتيح له استخدامها.
تتقدم هذه الإشكالية مع التحضير لاجتماع باريس لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي الذي يأتي في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، بالتوازي مع البحث في مستقبل الحضور الدولي في الجنوب. ففيما يحتاج لبنان إلى ترجمة الرهان على مؤسساته إلى إمكانات فعلية، ينتظر داعموه خطوات ملموسة تؤكد قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها.
بين الأمرين، تبرز معضلة تتجاوز التمويل: الجيش مطالب بنتائج تتوقف على قرارات لبنانية وإسرائيلية ودولية، فيما قد تُستخدم حصيلة التنفيذ للحكم على أدائه وحده. بذلك، يطرح اجتماع باريس سؤالًا عن الشروط السياسية لنجاح الدعم، وعن المسؤوليات التي يجب أن ترافقه. فهل يتجه الخارج إلى تمكين الدولة من تنفيذ المطلوب منها، أم إلى انتظار نتائج تمنحه مبررًا لمساعدتها؟ وأين تقف مسؤولية السلطة اللبنانية في سد هذه الفجوة؟
من التحضير إلى الالتزام
تكمن أهمية اجتماع باريس في قدرته على تحويل عنوان "دعم الجيش" إلى احتياجات محددة ومسؤوليات موزعة. فالتوافق على أهمية المؤسسة العسكرية واسع، لكن ترجمة هذا التوافق تطرح أسئلة أكثر صعوبة: ما الأولويات؟ من يمولها؟ متى تصل المساعدات؟ كيف تُضمن استمراريتها؟
الإجابات هي التي تحدد القيمة الفعلية للاجتماع، خصوصًا أن طبيعة الدعم المطلوب تتصل بقدرة المؤسسة على العمل يوميًا، بقدر اتصالها بالحصول على معدات جديدة. فالانتشار يتطلب عناصر وآليات وصيانة واتصالات وإمدادًا منتظمًا. كما أن توسيع المسؤوليات يرتب نفقات دائمة، ما يجعل المساعدة المحدودة زمنيًا أقل قدرة على إسناد مهمة مفتوحة، مهما كانت أهميتها الآنية.
بهذا المعنى، فإنّ ما يمكن انتظاره في هذه المرحلة هو تحديد الأولويات، وتوضيح التزامات المشاركين، وتقصير المسافة إلى مؤتمر يقر المساعدات الفعلية. من هنا، يصبح نوع الدعم ومداه اختبارًا لمستوى الرهان على الدولة. فالمطلوب معرفة ما إذا كانت المساعدات ستتيح للجيش توسيع قدرته على التنفيذ، أم ستساعده على تحمل الأعباء الحالية فقط. ويجب أن ينعكس هذا الفارق أيضًا في تقييم أداء الجيش، إذ يصعب رفع سقف المهمات من دون تعزيز القدرة على إنجازها.
المهمات تتسع... فكيف تُرتّب الأولويات؟
يوحي عنوان دعم الجيش بوجود هدف مشترك، لكن الحفاظ على الاستقرار الداخلي يختلف، من حيث المتطلبات، عن ضبط الحدود وتنفيذ حصرية السلاح واستكمال الانتشار جنوبًا. يمكن تأييد هذه المهمات مجتمعة، غير أن ترتيبها يكشف الأولوية الفعلية لكل فريق، كما يحدد طبيعة الإمكانات التي يبدي استعدادًا لتوفيرها. فلكل ملف طبيعته وحساسياته واحتياجاته. كما أن التقدم في أحدها قد يستلزم تخصيص وحدات وموارد على حساب ملفات أخرى.
من هنا، يصعب التعامل مع المساعدات بوصفها مسألة مالية وتقنية فحسب. فالجهة التي تنتظر تقدمًا سريعًا في ملف السلاح تحتاج إلى الإجابة عن كيفية حماية هذا التقدم من تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية. كذلك، فإن الرهان على الجيش لضمان الاستقرار يستلزم احتساب أثر المهمات الجديدة على قدرته على إدارة بقية مسؤولياته.
لذلك، يحتاج لبنان إلى طرح أولوياته بوضوح، حتى لا يصبح توزيع المساعدات هو الذي يحدد عمليًا ترتيب المهمات. فترك كل جهة تموّل الجانب الذي يعنيها قد ينتج قدرات متفاوتة داخل المؤسسة، من دون أن يلبي حاجاتها بوصفها جيشًا مسؤولًا عن البلاد كلها. هنا تكمن قيمة باريس في جمع المساهمات ضمن خطة لبنانية، يجري تقييم نتائجها وفق أهداف متفق عليها.
حصرية السلاح... مَن يتحمل الكلفة؟
يتصل الجانب الأكثر تعقيدًا بملف حصرية السلاح، حيث لا تكفي زيادة الإمكانات لحسم الخلاف السياسي. فالجيش يستطيع إعداد خطط وتقدير احتياجات ومخاطر، لكنه لا يملك أن يقرر وحده شكل العلاقة بين الدولة و"حزب الله"، أو أن يتحمل مسؤولية تسوية خلاف تتداخل فيه الحسابات الداخلية والإقليمية.
لذلك، لا تستقيم مطالبة المؤسسة بالحسم من دون قرار سياسي واضح تتحمل الحكومة تبعاته. فالدعم الذي يُمنح لها عند إعلان الخطط يجب أن يستمر عند التنفيذ، حين تظهر الاعتراضات وترتفع الكلفة. أما تركها بين اتهام بالتراخي وآخر بالاستهداف، فيحوّلها إلى فريق في الانقسام الذي يُفترض أن تحمي البلاد من تداعياته.
بهذا المعنى، يتطلب المسار التزامًا من الحكومة بالدفاع عن قراراتها، وتعاونًا من "حزب الله" في تنفيذ حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة. كما يتطلب من القوى المطالبة بحصرية السلاح احترام التقدير المهني للجيش. فالتوافق على الهدف يبقى ناقصًا ما دامت كلفة الوصول إليه تُترك للمؤسسة العسكرية وحدها.
إسرائيل فريق في شروط التنفيذ
يصعب قياس قدرة الجيش على استكمال انتشاره بمعزل عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والعمليات العسكرية. فالمساعدة تستطيع تحسين الحركة والتجهيز والمراقبة، لكنها لا تستطيع بذاتها فرض انسحاب إسرائيلي أو وقف الغارات. هنا يظهر الحد الفاصل بين ما يمكن مطالبة المؤسسة العسكرية بإنجازه، وما يستلزم تدخلًا سياسيًا من الدول التي تعلن دعمها لسيادة لبنان وتطالب دولته بتحمل المسؤولية الكاملة عن أراضيها.
بناء عليه، تشمل جدية الدعم استخدام النفوذ الدبلوماسي لتهيئة ظروف تنفيذ المهمة. فالمطالبة بانتشار الدولة، مع بقاء مناطق خارج متناولها بفعل الاحتلال، تنتج فجوة لا تُعالج بالمعدات وحدها. في المقابل، تستطيع الدولة أن تعزز موقفها بإظهار ما أنجزته في المناطق المتاحة، وتحديد العوائق التي تمنع استكمال التنفيذ.
للاعتداءات الإسرائيلية أثر داخلي أيضًا، إذ تضعف قدرة الدولة على إقناع اللبنانيين بأن خياراتها توفر لهم الحماية، وتمنح المعترضين على حصرية السلاح حجة لتجديد اعتراضهم. بذلك، فإن استمرار الضغط على لبنان من دون ضغط موازٍ على إسرائيل قد يضعف المسار الذي يريد الخارج دعمه. هذه كلفة سياسية لا تعوضها المعدات، لأنها تمس الثقة بقدرة الدولة وجدوى الرهان عليها.
اليونيفيل وسؤال الانتقال
يضيف مستقبل اليونيفيل بعدًا آخر إلى النقاش، لأن أي تغيير في حضورها سيعيد توزيع المسؤوليات في الجنوب. المسألة هنا تتجاوز زيادة عديد الجيش إلى تحديد مصير المهمات التي تؤديها القوة الدولية: من سيتولى المراقبة والاتصال والتوثيق، وبأي موارد وغطاء سياسي؟ الإجابة تحدد جانبًا أساسيًا من احتياجات المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة.
يرتبط هذا الانتقال أيضًا بقدرة لبنان على إبقاء المسؤولية الدولية عن استقرار الجنوب قائمة. فتحمّل الجيش مهمات إضافية لا يُسقط الحاجة إلى متابعة تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، ولا يجعل الدولة مسؤولة وحدها عن أي تدهور لاحق. لذلك، يحتاج البحث في المرحلة المقبلة إلى وضوح في الضمانات السياسية، إلى جانب تحديد البدائل الميدانية.
بناء عليه، ينبغي أن يُبحث دعم الجيش وفق الأعباء المرتقبة، إلى جانب احتياجاته الحالية. فتقليص المساندة الدولية قبل استكمال البدائل يهدد بزيادة الضغط عليه في مرحلة حساسة. أما ربط المسارين، فيتيح إعداد انتقال مدروس، ويجعل تقدير الموارد أكثر واقعية من التعامل مع ملف المساعدات بمعزل عن مستقبل الجنوب.
الدعم والتنفيذ... من يبدأ؟
تظهر هنا معضلة التوقيت: حين يُربط الدعم بتحقيق تقدم مسبق، بينما يحتاج هذا التقدم إلى موارد إضافية، تتعطل العملية عند نقطة البداية. المخرج العملي هو ربط مراحل التنفيذ بمراحل دعم واضحة، تسمح بمراقبة النتائج وتصحيح الخلل. هكذا يصبح التقدم ممكنًا وقابلًا للمحاسبة، بدل أن يتحول كل تأخير إلى ذريعة لتأخير آخر، أو أن تُرفع المطالب من دون تحديد الشروط اللازمة لتحقيقها.
هذا يرتب على الحكومة مسؤولية تتجاوز إعداد لائحة احتياجات. المطلوب تحديد أهداف يمكن متابعتها، والدفاع عن خيارات التنفيذ، وتوضيح ما يعود إلى نقص الموارد وما يعود إلى تعثر القرار السياسي. فخلط الأسباب يحمي السلطة من المحاسبة مؤقتًا، لكنه يضعف قدرتها على إقناع الخارج بجدوى تقديم المزيد.
كذلك، فإن استعادة الدولة لحضورها تحتاج إلى ما يرافق انتشار الجيش من خدمات وإدارة وقضاء وإعمار. فالمؤسسة العسكرية تستطيع توفير جانب أساسي من الأمن، لكن تثبيت ثقة السكان بالدولة يتطلب حضور مؤسساتها الأخرى. وبالتالي، فإنّ تجاهل هذا البعد يجعل نجاح الانتشار هشًا، ويحمّل الجيش مسؤولية إخفاقات لا تقع ضمن اختصاصه.
يضع اجتماع باريس الفريقين أمام اختبار: لبنان مطالب بإثبات أن لديه قرارًا وخطة، وداعموه مطالبون بإظهار استعدادهم لتحمل نصيبهم من شروط النجاح. الجيش يستطيع أن ينفذ ضمن هذه المعادلة، أما مطالبته بتعويض غيابها، فتعني تحميله كلفة خلافات السلطة، وتردد المانحين، واستمرار الاعتداءات في وقت واحد.



















































