لم يعد خافيًا على أحد أن "حزب الله" يعوّل بشكل كامل على أن إيران ستوقّع في نهاية المطاف اتفاقًا مع الولايات المتحدة الأميركية لإنهاء الصراع بينهما، على أن يشمل في أحد بنوده لبنان، لجهة تأمين استرداد الأراضي الجنوبية المحتلة، والإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم. لكن "الحزب"، العاجز في هذه المرحلة عن خوض أي سبل أخرى لتحقيق هذه الأهداف، يحضّر الأرضية لاحتمال فشل حصول تسوية بين واشنطن وطهران. ماذا في التفاصيل؟
بداية، لا بدّ من الإشارة إلى أن العالم لا يتحمل استمرار الوضع الحالي في مضيق هرمز على ما هو عليه لأشهر إضافية، بسبب موجة الغلاء الكارثية. وبالتالي، أمام إيران ثلاثة خيارات في صراعها الحالي مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب: فإما أن توقّع اتفاقًا ما ينهي الصراع برمّته، وإما أن تعود المواجهات لتنفجر من جديد في جولة قتال إضافية تسبق التوصل إلى تسوية وسطية تبعًا لموازين القوى التي ستتظهّر على الأرض، وإما أن يتم الذهاب إلى خيار ثالث قيد الدراسة حاليًا، ويقضي بأن تقوم واشنطن برفع الحصار عن إيران بنسبة كبيرة، في مقابل سماح هذه الأخيرة بعودة حركة السفن وناقلات المشتقات النفطية إلى ما كانت عليه قبيل اندلاع أولى المواجهات بين الفريقين في صيف العام 2025. وعندها لن يكون هناك توقيع لأي اتفاق، بل مجرد هدنة أمر واقع طويلة الأمد، من شأنها التخفيف من وقع أزمة الغلاء العالمية.
وهذا الاحتمال الثالث هو الأخطر بالنسبة إلى "حزب الله"، لأنه يعني عمليًا بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وضرورة اعتماد مسار آخر لاسترداد الأرض لا يمرّ بخيار التعويل على المظلة الإيرانية. يُذكر أن الجيش الإسرائيلي يقوم خلال الوقت المستقطع الحالي بمواصلة تعزيز ما يُسمى "المنطقة الأمنية"، على الرغم من كل ما يُشاع عن احتمال انسحابه منها. وفي هذا السياق، لا يمرّ يوم دون تنفيذ عشرات التفجيرات للمنازل والبنى التحتية والمعالم العمرانية على اختلافها، بهدف جعل "المنطقة الأمنية" غير قابلة للعيش كليًا، بفعل إزالة مختلف معالم الحياة منها. ولا يمرّ يوم أيضًا دون شنّ سلسلة من الغارات التي تطال قرى وبلدات محاذية للمناطق المحتلة، بهدف تحضير الأرضية لعملية قضم بطيئة لمناطق جديدة في المستقبل – إن دعت الحاجة – عبر تدمير ممنهج للبنى الدفاعية فيها بشكل تام ولو تدريجي. فسياسة الغارات المتكررة والقصف المتواصل على بقعة جغرافية محدودة ستؤدي إلى انهيارها عاجلاً أم آجلاً، لأن العدد الإجمالي للضربات يُحصى بالمئات، ولكن على امتداد بضعة أسابيع.
وأمام هذا الواقع الميداني الصعب، وفي ظل عدم قدرة "حزب الله" إطلاقًا على خوض حرب مفتوحة جديدة واسعة النطاق مع إسرائيل، تكثّفت الاستعدادات التي تحضّر الأرضية للخيار القاسي المتمثل بالعودة إلى خيار "حرب العصابات" و"العمليات الانتقائية" ضد تمركزات وتحشيدات الجيش الإسرائيلي، على غرار ما كان يحصل في مرحلة الثمانينات، وقبل الوصول إلى عمليات المقاومة المنظمة في مرحلة التسعينات. بمعنى آخر، في حال دخول الصراع بين واشنطن وطهران مرحلة السبات العميق، في ظل واقع اللاحرب واللاسلم، سيضطر "الحزب" بعد فترة إلى إطلاق عمليات أمنية ضد الإسرائيليين داخل لبنان، بغرض منع إسرائيل من تكريس احتلالها. وهذه العمليات ستكون متفرقة ومتباعدة جغرافيًا وزمنيًا، وعبارة عن عمليات تفجير لعبوات ناسفة بآليات عسكرية، وقنص لعسكريين من مسافات بعيدة، وإغارة بطائرات انقضاضية من دون طيار، وإطلاق صواريخ موجهة مضادة للدروع، وغيرها. وكل هذه العمليات ستتمّ بسريّة تامة، أي من دون معرفة مصدر انطلاقها، ومن دون أي تغطية مدفعية أو دعم صاروخي، في محاولة لتجنّب التسبب بتفجّر حرب شاملة وواسعة النطاق، ولعدم الصدام مع الدولة اللبنانية التي تتعرّض لضغوط كبيرة من جانب الإدارة الأميركية وغيرها، من أجل تطبيق إجراءات حصر السلاح بيد القوى الشرعية.
في الختام، الأنظار لا تزال حتى الساعة مشدودة باتجاه المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني، مع تجميد كل الخيارات الأخرى في انتظار وضوح الصورة. لكن بمجرد التأكد من ألا تسوية في المدى المنظور بين واشنطن وطهران، وأن الأمور الراهنة ستبقى على ما هي عليه لفترة زمنية طويلة، سيبدأ "الحزب" بتنفيذ خطة الاستنزاف التي يواصل تحضير عدّتها. فهل سينفع تدمير بضع آليات وقتل وجرح عدد من العسكريين الإسرائيليين في الجنوب في تحريك الملف اللبناني المجمّد وإخراج الاحتلال، أم أن هذا الخيار سيؤدي من جديد إلى حرب واسعة النطاق مع إسرائيل تعمّم رقعة الدمار والخراب وقد لا تنتهي بسهولة؟!