وصل رئيس الحكومة ​نواف سلام​ إلى ​نيويورك​، وبدأ لقاءات واجتماعات وإطلاق مواقف عن الوضع ال​لبنان​ي والعمل الحكومي والرؤية الرسمية للفترة المقبلة. ولكن، ماذا كان سيتغير لو ذهب رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ إلى نيويورك هذا العام بدلًا من سلام؟ على الأرجح، ليس الكثير في مضمون الرسالة اللبنانية. فعون كان قد أمسك بهذا الملف منذ أشهر، من واشنطن إلى باريس، وكان يتابع مباشرة مسألة الجنوب، ودعم الجيش، ومستقبل الوجود الدولي بعد ​اليونيفيل​. لكن حضوره كان سيغيّر شيئًا مهمًا، فهو كان سيتابع المسار الذي بدأه مع الإدارة الأميركية والعواصم الأوروبية، بدل أن تكون نيويورك مجرد محطة يتابع فيها رئيس الحكومة ما سبق أن بدأه رئيس الجمهورية. فما الذي حمله سلام إلى نيويورك ولم يكن عون قد حمله قبله؟

إذا استبعدنا الشعارات والمواقف المعلنة، يصبح الجواب صعبًا. لا تبدو هناك فكرة سياسية جديدة، ولا مقاربة مختلفة للجنوب، ولا تعريف آخر لدور الجيش، ولا تصور مغاير للعلاقة مع المجتمع الدولي. معظم ما قيل في نيويورك كان قد أصبح، قبل وصول سلام، جزءًا من اللغة الرسمية اللبنانية. أمضى لبنان وقتًا طويلًا في شرح ما يريده: دولة صاحبة القرار، وجيش قادر، وانسحاب إسرائيلي، وترتيب دولي يمنع الفراغ في الجنوب، ودعم لإعادة البناء... هذه كلها مطالب مفهومة، بل ضرورية، لكنها تظل – في جانب كبير منها – غير قابلة للتنفيذ بمجرد إعلانها.

إنشاء قوة دولية جديدة لا يكون لأن لبنان طلبها، بل يحتاج إلى دول ترسل قواتها، وإلى تمويل، وتفويض، وقواعد عمل، وتوافق بين أطراف دولية وإقليمية متباعدة. ولن يصبح الجيش قادرًا على ملء الفراغ لأن الجميع اتفق على أنه المؤسسة الشرعية، بل يحتاج إلى إمكانات ووقت وقرار سياسي. أما إعادة الإعمار، فلا تبدأ من المؤتمرات بل من المال، ومن قدرة الدولة على إدارة ما سيصل من مساعدات بطريقة شفافة وعملية، ومن إصلاحات لا تزال أصعب من الخطاب الذي يحيط بها.

إذا كان الخارج قد سمع الموقف اللبناني نفسه من عون طوال عام، ومن واشنطن وباريس وغيرها، فإن تكراره في ​الأمم المتحدة​ لا يضيف كثيرًا إلى الرصيد السياسي. القيمة تبدأ فقط عندما يتحول الكلام إلى التزام محدد: دولة مستعدة للمشاركة، تمويل واضح، صيغة دولية قابلة للتطبيق، جدول زمني، أو آلية تستطيع الدولة اللبنانية أن تستخدمها فعلًا. ومن هذه الزاوية، فإن وجود عون أو سلام في نيويورك لن يكون مغايرًا كثيرًا، ما عدا أن وجود الأخير يمنح لبنان شيئًا مهمًا من الناحية النظرية: وحدة الموقف (حتى من الناحية الطائفية) والمطالبة الموحدة بالسيادة. فلو حضر رئيس الجمهورية أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو الذي فتح القنوات مع واشنطن ويتابع ترتيبات الجنوب، كان سيجلس أمام المجتمع الدولي ليكمل المسار نفسه. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنه سيصنع الحل، فلبنان لا يعاني من نقص في إطلاق المواقف، إذ إن الكلام الرسمي واضح، والنقص الوحيد هو في القدرة على إعطاء هذه المواقف قابلية للحياة.

لذلك لا يبدو الفارق الحقيقي بين عون وسلام في ما قالاه، بل في السؤال الذي لم يجب عنه أحد بعد: من يستطيع أن يحوّل ما يقوله لبنان إلى أمر واقع سياسي ودولي؟ لطالما كانت نيويورك، في كل عام، محطة شكلية لإثبات حضور لبنان الدولي، فقط لا غير. فسنة تلو الأخرى، يغادر المسؤولون اللبنانيون إلى أميركا ويعودون من دون الحصول على أي مكسب عملي لما يطالبون به علنًا، فيكون "الإنجاز" فقط الحضور واللقاءات (حتى تلك التي لا تحصل).