تتجه الأنظار إلى ما سينجم عن اجتماعات الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قادة ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من الدول العربية والإسلامية في نيويورك، على هامش اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن ملف الشرق الأوسط سيُطرح على مصراعيه. فهل يمكن أن تكون هذه المحطة بداية مرحلة جديدة من الحرب على إيران؟
لا شك أن الصراع الأميركي–الإيراني ترك تداعيات أمنية واقتصادية كبرى على العالم ككل، وعلى دول الخليج بالتحديد، حيث نالت الحصة الأكبر من الهجمات الإيرانية، إذ ردّت طهران من خلالها على الغارات والضربات الأميركية ضدها، بحجة احتضان دول الخليج لقواعد عسكرية أميركية عدة، وفي محاولة لتثبيت معادلة منع تصدير نفط الخليج مقابل منع تصدير نفط إيران. وتأتي الاجتماعات بين ترامب وقادة الخليج في توقيت حساس، تشهد فيه صادرات النفط والغاز من المنطقة العربية مزيدًا من الضغوط والاضطرابات، وتترقب فيه الأوساط العالمية ما ستؤول إليه الأمور بين واشنطن وطهران في نهاية المطاف، في ظل مناورات سياسية مستمرة من جانب طهران، كان آخرها عرض لتخفيف التوترات لمدة أسبوع. فالأمور محصورة بين ثلاثة خيارات، كما قال ترامب نفسه منذ أيام، وكما هو قائم ميدانيًا منذ صيف العام 2025، عندما تحوّلت العقوبات المفروضة على إيران إلى جولات متباعدة من الغارات والهجمات، تفرّق بينها بعض محطات التفاوض، في ظل سلسلة متصاعدة من التدابير والعقوبات الاقتصادية والمالية القاسية.
أولًا: احتمال بقاء الأمور كما هي عليه حاليًا، أي لا حرب ولا سلم، مع محاولة تشديد العقوبات الأميركية أكثر. لكن هذا الخيار لا يمكن أن يُسقط الحكم الإيراني، على الرغم من الأزمة المعيشية والحياتية الحادة التي يعاني منها الشعب الإيراني في المرحلة الراهنة. ولا تريد الدول الخليجية استمرار هذا الواقع لفترة زمنية طويلة، لأن الاحتقان انعكس سلبًا على استقرارها وعلى أوضاعها الداخلية، على الرغم من زيادة العائدات المالية بفعل ارتفاع هامش أرباح بيع المشتقات النفطية على اختلاف أنواعها. وحتى إن إدارة الرئيس الأميركي بدأت تلمس أكثر فأكثر قدرة النظام الإيراني على التأقلم مع العقوبات، وعلى رفض تليين مواقفه، في ظل نقمة شعبية متصاعدة داخل أميركا على الغلاء المستشري، الأمر الذي يمكن أن تكون له انعكاسات سلبية جدًا على الانتخابات الأميركية النصفية التي يخشى ترامب خسارتها.
ثانيًا: احتمال التوصل إلى تسوية بعد طول انتظار، وهو خيار لا تمانعه الدول الخليجية، وتتمناه الإدارة الأميركية، لكن بشرط أن يكون الاتفاق المرتقب مفيدًا للجميع، وألا يكتفي بتأمين العبور الآمن في مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا أصلًا قبل الحملة العسكرية ضد إيران! فواشنطن تريد على الأقل تحقيق خرق في الملف النووي الإيراني لحفظ ماء وجهها أمام الأميركيين والعالم أجمع، بأن الحرب الأميركية على إيران وما سبّبته من أزمات عالمية لم يذهب سدى! والدول الخليجية تريد أن توقف إيران تدخلاتها في شؤونها الداخلية، وأن تكفّ عن دعم جماعات مسلحة في اليمن والعراق ولبنان وغيرها، بما يكفل خروج المنطقة ككل من مرحلة التوتر وعدم الاستقرار. وحتى الساعة، لا تبدو القيادة الإيرانية في طور الموافقة على تسوية في هذا الاتجاه، ولا تزال متمسكة بمطالبها، خاصة وأن التطورات الميدانية الأخيرة لصالح حلفائها "الحوثيين" في اليمن، جعلت طهران أكثر تشددًا إزاء مسائل مثل انسحاب القوات الأميركية من المنطقة، ووجوب دفع تعويضات مالية، وغيرها.
ثالثًا: احتمال عودة الأولوية للخيار العسكري الحازم ضد إيران، وهو خيار يناسب القيادة الإسرائيلية بالدرجة الأولى، لكونه يمكن أن يلغي الانتخابات التشريعية المرتقبة في 27 تشرين الأول، وأن يعزز ربما فرص فوز الائتلاف الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو. وتقف الدول الخليجية في حيرة من خيار الحرب، فهي مؤيدة للتخلص من النظام الإيراني، أو على الأقل إضعافه بشكل كبير، لكنها تخشى في الوقت نفسه من فشل أي موجة مقبلة من الهجمات ضد إيران، الأمر الذي سيجعل الأراضي العربية مشرعة أمام هجمات مضادة، وعرضة لسياسة إيرانية أكثر عدائية. وبالتالي، بحسب التحليلات، فإن الموقف الخليجي لا يمانع عودة خيار الحرب، لكن بشرط أن تكون جولة القتال المقبلة حاسمة وليس كسابقاتها. وبالنسبة إلى موقف إدارة الرئيس ترامب من هذا الخيار الثالث، فهو لا يزال حتى هذه اللحظة محط درس وتقييم دقيقين، لأن أي خطأ في الحسابات سيكلف الرئيس الأميركي، وحزبه، وحكمه، وحلفاءه في الشرق الأوسط الكثير! لكن توجد تحليلات تقول إن الرئيس ترامب سيلجأ إلى الخيار العسكري من جديد، في حال جرى إبلاغه بحتمية خسارته الانتخابات الأميركية النصفية المرتقبة في 3 تشرين الثاني المقبل. فعندها لن يتردد في محاولة تغيير النتائج عبر إصدار الأوامر لشنّ موجة جديدة من الهجمات على إيران، في مسعى لإرغامها على الموافقة على إبرام تسوية، لأنه بمجرد الحديث عن اتفاق بين واشنطن وطهران ستنخفض أسعار المشتقات النفطية بوتيرة سريعة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجابًا على الناخبين الأميركيين.
في الختام، الوقت الفاصل عن موعد كل من الانتخابات الإسرائيلية والأميركية بات ضيقًا جدًا، الأمر الذي يستوجب الخروج من المأزق الحالي بسرعة. فإذا لم تنجح الضغوط الاقتصادية والمالية الحالية في الدفع قدمًا نحو توقيع اتفاق وسط، سيتم اللجوء إلى الخيار العسكري لمحاولة التوصل إلى التسوية المنشودة، انطلاقًا من مقولة "لم نعد نملك ما نخسره" التي تصح على كل الجهات المعنية في الصراع بين واشنطن وطهران وحلفائهما! وما لم تحصل التسوية، قد يتصاعد التدهور الأمني الخطير المرتقب عندها ليبلغ مرحلة "يا قاتل يا مقتول"، أي محاولة تدمير كامل البنى التحتية لإيران ومحاولة إسقاط النظام الحاكم في طهران، مقابل محاولة تدمير معالم الدول الخليجية ودفع المستثمرين الغربيين على مغادرتها!





















































