لم تخرج المنطقة بعد من غرفة العناية الفائقة، رغم عودة التفاوض الأميركي–الإيراني، ولو جاء ذلك بالتوازي مع بقاء الخيار العسكري حاضرًا في خطاب واشنطن.
ضمن هذه المعادلة، جاء اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيويورك مع قادة وممثلي دول الخليج وتركيا ومصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان، في محاولة لجمع الدول الأكثر تأثرًا بأي قرار أميركي مقبل تجاه إيران حول طاولة واحدة. وبحسب المعلومات المعلنة عن الاجتماع، فإن البحث طال التطورات الأمنية وتداعيات الحرب على الاستقرار والطاقة والاقتصاد، إضافة إلى خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية.
تحدث المبعوث الأميركي توم باراك خلال اللقاء عن محاولة للوصول إلى هدنة مؤقتة تفتح المجال أمام مسار أطول، فيما أبلغ ترامب الحاضرين بوجود زخم في الاتصالات مع طهران. لكن هذه المؤشرات لا تعني أن المنطقة أصبحت أمام تسوية شاملة.
بحسب ما يظهر، فإن الاحتمال الآخر لا يزال قائمًا، أي فشل الاتصالات والعودة إلى التصعيد، خصوصًا أن ترامب يجمع بين التفاوض والتهديد باستخدام القوة إذا لم تصل واشنطن إلى النتيجة التي تريدها. وإيران تعلم أن الأميركيين يريدون تهدئة الصراع قبل الانتخابات، ويسعون لتحويل الرغبة الأميركية إلى مكاسب لهم، ولو أنهم يدركون أن احتمالات عودة الصراع كبيرة.
لذلك يمكن فهم الاجتماع باعتباره محاولة أميركية لوضع دول المنطقة في صورة الاحتمالين، والاستماع إلى حساباتها قبل تحديد الخطوة المقبلة. وتكشف تركيبة الحاضرين حجم المسألة، فلو اقتصر البحث على أمن الخليج والطاقة ومضيق هرمز، لكان حضور دول مجلس التعاون كافيًا. لكن وجود العراق وسوريا ولبنان وتركيا والأردن يضع الصراع الإقليمي ضمن النقاش أيضًا. فهذه الدول ستتأثر بأي اتفاق مع إيران كما ستتأثر بأي جولة جديدة ضدها، ولو اختلف شكل التأثير من دولة إلى أخرى.
بالنسبة إلى لبنان، تأتي مشاركة رئيس الحكومة نواف سلام في الوقت الذي تخوض فيه بيروت مفاوضات مرتبطة بالجنوب والانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح وانتشار الجيش ومستقبل الوجود الدولي بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. وهي ملفات لبنانية في ظاهرها، لكنها متصلة في جوهرها بمستقبل المواجهة الإقليمية وبالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
إذا نجحت الاتصالات الحالية في إنتاج هدنة أو تفاهم جزئي، سيكون السؤال عما إذا كان هذا التفاهم سيقتصر على وقف المواجهة المباشرة وهرمز والملف النووي، أم سيمتد إلى ساحات الصراع. عندها يصبح لبنان معنيًا مباشرة بموقع حزب الله وسلاحه، وبالمفاوضات مع إسرائيل، والاحتلال، وبالضمانات التي يمكن أن يحصل عليها مقابل تغيير الواقع الأمني جنوبًا.
لا توجد حتى الآن معطيات تثبت أن ترامب أبلغ الحاضرين بقرار حرب، كما لا توجد مؤشرات كافية للقول إن اتفاقًا شاملًا مع إيران أصبح قريبًا. والأرجح أن واشنطن تعمل على أكثر من مسار في الوقت نفسه.