أشار الأمين العام لجمعية مصارف لبنان، فادي خلف، في افتتاحية التقرير الشهري للجمعية، إن إقرار قانون إصلاح المصارف نقل النقاش إلى القانون الذي سيحدد فعلياً مصير الودائع، أي قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، مشدداً على أن السؤال لم يعد نظرياً ولا يتعلق بما إذا كانت هناك إرادة لرد الودائع، إذ إن الجميع يريد ذلك، بل بكيفية ردّها، والجهة التي ستتحمل الكلفة، والمدة الزمنية اللازمة، والموارد التي ستُستخدم لهذه الغاية.
وأشار خلف إلى أن رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان اختصر المعضلة في حديثه للإعلام بتاريخ 11 حزيران الفائت، عندما تساءل عن كيفية تأمين الأموال اللازمة لتسديد المئة ألف دولار، محذراً من الوصول بعد سنوات إلى تعثر جديد و"حائط جديد".
واعتبر أن هذا الأمر يشكل جوهر المسألة، لأن القانون الذي يَعِد المودع بالسداد من دون أن يحدد بوضوح مصادر السيولة وآليات التنفيذ لا يعالج الأزمة، بل قد ينقلها من وعد باسترداد الوديعة إلى أزمة جديدة حتمية. ومن هنا، رأى أنه لا بد من طرح الأسئلة العملية قبل إقرار الجداول والمهل.
وفي ما يتعلق بمصير المودعين في حال إرسال عدد كبير من المصارف إلى التصفية، أشار خلف إلى أن الدراسات التقنية الموضوعة من قبل مستشارين عالميين تفيد بأن تطبيق مشروع القانون المرسل من الحكومة إلى مجلس النواب، من دون تعديل جوهري في توزيع الأعباء ومصادر التمويل، قد يؤدي إلى تصفية عدد لا يستهان به من المصارف. ولفت إلى أن هذه المصارف تضم نحو 550 ألف حساب وأكثر من 29 مليار دولار من الودائع، متسائلاً عن الجهة التي سترد هذه الودائع في حال التصفية، وما إذا كانت هناك جهة قادرة فعلياً على الحلول مكان المصرف الذي ستتم تصفيته.
وعن قدرة صندوق ضمان الودائع على تحمل هذا العبء، رأى خلف أن إمكانات الصندوق، كما هي اليوم، لا تسمح بتغطية ودائع بهذا الحجم. كما اعتبر أن الاعتقاد بأن تصفية أصول المصارف ستؤمّن سريعاً سيولة كافية للمودعين يجب أن يأخذ في الاعتبار ليس فقط قيمة هذه الأصول، بل أيضاً مدة التصفية وكلفتها والانخفاض المتوقع في قيمة الأصول عندما تُباع تحت الضغط. وأكد أن التصفية مسار طويل ومعقد قد يترك المودع سنوات في الانتظار، لينتهي في كثير من الحالات إلى استرداد جزء محدود من حقوقه.
أما بالنسبة إلى المصارف التي ستبقى، فشدد خلف على أن المصارف القابلة للاستمرار لن تتمكن من القيام بدورها إذا استُنزفت سيولتها خلال السنوات الأولى. وأوضح أن المصرف الذي يُطلب منه المساهمة في رد الودائع، وإعادة تكوين رساميله، والمساهمة في تمويل الاقتصاد، وتأمين التزامات طويلة الأمد، يجب ألا يُحمّل أعباء تتجاوز طاقته.
ورأى أن المشكلة لا تقتصر على المصارف التي ستتم تصفيتها، بل تشمل أيضاً تحديد الشروط التي تسمح للمصارف الباقية بالعودة إلى دورها الطبيعي، وجذب رساميل جديدة، واستعادة ثقة المودعين والمستثمرين.
وفي ما يتعلق بالمهل الزمنية المعلنة لرد الودائع، اعتبر خلف أن أي قانون يستطيع وضع جدول زمني جذاب، لكن العبرة ليست في الجدول نفسه، بل في القدرة على احترامه. وحذّر من أنه إذا قيل للمودع إن وديعته ستُسدد خلال مهلة معينة، ثم تبيّن في منتصف الطريق أن السيولة غير كافية، فسيكون لبنان أمام تعثر جديد لا أمام حل.
وشدد في هذا السياق على ضرورة أن تسبق أي مهل زمنية دراسة معمقة للسيولة الفعلية المتوافرة لدى الدولة ومصرف لبنان والمصارف، حتى لا يتحول القانون إلى وعد جديد يتعذر تنفيذه.
كما أكد خلف ضرورة عدم احتساب الخسارة مرتين، موضحاً أنه إذا كانت بعض الودائع ستخضع لاحقاً للتنقية، سواء بسبب فوائد غير اعتيادية، أو عمليات متاجرة بالشيكات، أو عناصر أخرى سيُعاد تقييمها، فيجب إجراء هذه التنقية قبل تحديد الخسائر النهائية ورؤوس الأموال المطلوبة.
وشدد على أنه لا يجوز احتساب الخسارة مرة على الوديعة، ثم احتسابها مرة ثانية على رأسمال المصرف، معتبراً أن العدالة لا تكون بمضاعفة الأعباء، بل بتحديدها بدقة قبل توزيعها.
وتطرق خلف إلى مساهمة مصرف لبنان، معتبراً أنه لا يكفي القول إن المصرف المركزي سيساهم في معالجة الأزمة، بل يجب تحديد الموارد التي ستُستخدم لتمويل هذه المساهمة، وما إذا كانت موجودات قابلة للتسييل، أو أموالاً ناتجة عن مساهمة الدولة في معالجة الخسائر، أو أنها ستأتي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من الاحتياطي الإلزامي العائد للمصارف لديه.
ولفت إلى أنه إذا كان جزء من مساهمة مصرف لبنان سيأتي من الاحتياطي الإلزامي، فإن السؤال يصبح أكثر حساسية بشأن ما سيتبقى بعد استنفاذ هذا الاحتياطي.
وفي ما خص مساهمة الدولة، شدد خلف على أن قانون الانتظام المالي لا يمكن أن ينجح إذا اكتفى بتوزيع الخسائر على المصارف والمودعين، أو إذا جعل مساهمة الدولة مسألة مؤجلة أو غامضة. واعتبر أن الأزمة التي نشأت من خلل في المالية العامة، وفي سياسات الاقتراض والإنفاق، وفي علاقة الدولة بمصرف لبنان، لا يمكن حلها من دون مساهمة واضحة من الدولة.
وأكد أن مساهمة الدولة لا تعني شعارات عامة، بل يجب أن تقوم على موارد فعلية وآليات واضحة وجدول قابل للتنفيذ.
وخلص خلف إلى أن المطلوب اليوم ليس قانوناً يَعِد بما لا يستطيع تنفيذه، ولا جدولاً زمنياً لا تقابله موارد فعلية، ولا تصفية واسعة لا يعرف أحد من بعدها كيف ستُرد الودائع.
وأشار إلى أن اللبنانيين دفعوا ثمناً باهظاً بسبب التأخر في اتخاذ القرار، معتبراً أن المطلوب اليوم ليس التعويض عن هذا التأخر بالتسرع، بل الانتقال من بطء القرار إلى جودة القرار.
وشدد على أنه "لا ردّ حقيقياً للودائع من دون مصادر سيولة حقيقية، ولا نهوض اقتصادياً من دون قطاع مصرفي قادر على التسليف، ولا ثقة من دون وضوح في المسؤوليات وآليات التنفيذ"، محذراً من أن خلاف ذلك يعني الانتقال من محاولة معالجة الأزمة إلى إنتاج تعثر جديد يطال الجميع.
وختم محذراً من "الحسابات الخاطئة، حتى لا يُلدغ المودعون والقطاع المصرفي من الجحر مرتين".























































