قال الفيلسوف هيغل: "يأتي يوم تنتهي فيه الثرثرة السياسية وينتصر الروح ".

كان المشهد العظيم الذي رأيناه عند وصول ​قداسة البابا لاوون الرابع عشر​ إلى فرنسا، والذي أفرحنا جميعًا، مشهدًا يفوق كل التوقعات في بلدٍ عُرف بالعلمانية. فقد أدهشنا أن نرى آلاف الشباب والصبايا يهبّون للقائه، ويتوافدون للتصفيق له، والركض حوله ووراءه، من ​باريس​ إلى نوتردام، ومن ​سيدة لورد​ إلى مدينة ميتز؛ جموعٌ زاحفة، مهلِّلة، ومصفِّقة، وبعضها باكٍ من الفرح، في لقاءاتٍ جمعت بين البعد الإنساني والروحي، وأعادت التأكيد على كرامة الشخص البشري.

كانت هذه اللقاءات عرسًا وفرحًا، كعرس قانا الجليل، وكانت الخمرة الجديدة تتجلّى في كلمات رأس الكنيسة الكثوليكية، التي حملت مفاتيح الحب والفرح والصداقة و​الإنسانية​. لقد كان خطابًا جديدًا، ونشيدًا ندعو من خلاله إلى مسيحيةٍ مملوءة بالفرح، كفرح العرس في الكتاب المقدّس.

ساعاتٌ من التأمل والصلاة والتعليم، ومن الفرح والرجاء والقيم الإنسانية؛ نشيد أناشيد الصبايا والشباب وجميع الحاضرين، في مسيرةٍ بدت كأنها مسيرة نصر، من شارع الكونكورد إلى قلب شوارع باريس، حيث أُقيم القداس، ثم الصلاة في سيدة باريس، وسط قرع أجراس الكنائس في فرنسا، وصولًا إلى صلاة خاشعة أمام سيدة لورد، وقداسٍ حافل في ​كاتدرائية ميتز​.

المهم في هذه الزيارة أننا نبحث عن كلام جديد، وعن خطاب مختلف، وعن نورٍ للعقل والقلب والإنسان؛ خطاب يعيد التذكير بكرامة الإنسان، وبمحبته وأخوّته ورحمته ولطفه وشفقته.

إنها الإنسانية التي تستعيد معناها، وتعطي الحياة قيمتها الحقيقية، بعيدًا عن لغة الموت والكراهية. لقد سئم الناس خطاب الحرب والموت والحقد والعنصرية، الدينية منها والسياسية، كما سئموا خبث أهل السلطة والدعوات إلى العنف والعصبية والحقد.

لقد سمعت الإنسانية خطابًا جديدًا وكلامًا آخر؛ كانت لغته لغة المحبة، ولغة الإنجيل والقلب واللطف والرحمة والإنسانية، لغةً تدافع عن كرامة الإنسان وتدعو إلى صونها.

أوقفوا العنف والموت واللاإنسانية واللامسؤولية البشرية. أوقفوا هذا اللهو بالموت، وعودوا إلى الحياة والفرح. عودوا إلى إنسانيتكم، فالإنسانية عطشى إلى هذا الكلام الجديد، وإلى هذا الصوت الذي يعيد إليها الرجاء.

إن قداسة البابا لاوون الرابع عشر يطمئن العقل إلى الحب والمعرفة، وإلى الفرح الوجودي، ويدعو إلى إبعاد كأس الموت والخراب والدمار.

كفى حربًا ودمارًا! أوقفوا هذا العنف القاسي، وهذا الظمأ إلى قتل الإنسان لأخيه الإنسان. وأنبتوا من جديد فردوس المحبة، وحبّة الفرح والسعادة، في إنسانيةٍ جديدة.

وفي عمق هذا المشهد، لا نرى مجرّد استقبالٍ لقداسة البابا، بل نلمس عطش الإنسان إلى الله وإلى كلمةٍ تعيد إليه معنى الحياة والرجاء. فالمسيح لم يأتِ ليضيف إلى العالم كلامًا، بل ليمنح الإنسان حياةً جديدة، ويصالحه مع الله ومع أخيه.

ف​السلام في الإيمان المسيحي​ ليس غياب الحرب فحسب، بل ثمرة المصالحة والمحبة، حين يستعيد الإنسان كرامته ويكتشف في الآخر صورة الله. لذلك، يحتاج عالمنا اليوم إلى الانتقال من ثقافة الموت إلى حضارة الحياة، ومن منطق الغلبة إلى منطق الأخوّة.

وليبقَ صوت الإنجيل حاضرًا في قلب عالمٍ متعب: «طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون». وليكن رجاؤنا أن تتحول المحبة إلى حياةٍ تُبذل، وغفرانٍ يُمنح، وخدمةٍ تُعيد إلى الإنسان إنسانيته، وإلى العالم شيئًا من نور المسيح وسلامه.